القانون لا يحمي النساء المعنفات في مراكز الإيواء

دمشق – جوري محمد

سقف ثابت والقليل من الطعام ولن يكون هناك ضير في وجود الدفء، أحلام بسيطة يحملها السوريون والسوريات بشكل خاص على ظهورهن أثناء نزوحهن داخل البلاد، فحتى هذه الأحلام البسيطة بات لها أثمان مرتفعة. نور التي لم تبلغ السادسة عشر من عمرها بعد تنقلت وعائلتها بين عدد من مراكز الإيواء ضمن مدينة دمشق، لا تستطيع نور إخفاء هوسها الدائم بنظافتها الشخصية واستهلاكها الكبير لمواد التنظيف من شامبو وصابون.

اشتكين فبتنا خارجاً

السلوك “الوسواسي” الذي تتبعه نور لفت انتباه رشا التي تعمل كمتطوعة ومقدمة للدعم النفسي في أحد مراكز ضاحية قدسيا، “لم تكن نور تشارك في أي نشاط نقوم به داخل المركز سواء بالمشاركة في لعبة جماعية أو الرسم أو الغناء، لكن بعد شهر من قدومها إلى المركز نشئ ما يشبه الصداقة بيني وبينها” تقول رشا. وبعد فترة أخبرتني نور عن تعرضها للاغتصاب على يد أحد المشرفين في المركز الذي كانت فيه سابقاً وهي تجد في النظافة الجسدية راحة لها. فهي تحاول في كل مرة تستحم بها التخلص من رائحة عرقه و بقايا سائله، بعد كل مرة كان يصطحبها إلى الغرفة الصغيرة الموجودة على سطح المركز والتي كانت تستخدم كمستودع للغذاء على حد تعبير رشا.

ظلت نور تتعرض للاغتصاب على يد المشرف مدة أربعة أشهر اكتشفت خلالها أنها لم تكن الفتاة الأولى ولا الأخيرة التي تتعرض للاعتداء على يد المشرف ذاته أو صديقه الذي يعمل أيضاً في موضوع تأمين مواد التنظيف للعائلات التي تقيم في ذلك المركز.

والحجة لاصطحابهن للمستودع كانت إعطائهن حصص غذائية مميزة عن البقية وهناك يتم الاعتداء، وفي حال رفضت إحداهن الانصياع له فكان التهديد بقطع الغذاء عن عائلتهن وفضح أمرهن بعد أن صورهن وهن يتعرضن للاعتداء. هذا ما دفعهن للسكوت وعدم الشكوى لأي أحد. رغم أنه سبق وقامت إحدى الأمهات بالشجار مع المشرف والشكوى لمدير المركز الذي شكك برواية الأم وابنتها. بل وقام بطردهما خارج المركز.

م.ع مدير مركز إيواء في احدى ضواحي دمشق. يقول: “لا يمكننا أن ننكر حالات التحرش التي تقع في مراكز الإيواء فنحن نعاني من ارتفاع عدد الأشخاص في المركز حيث نضطر أحياناً لوضع أكثر من عائلة ضمن غرفة معيشة واحدة تفصل بينهم قطعة من القماش، لذلك يكون الأطفال والشباب مجبرين وعرضة في كثير من الأحيان لمشاهدة العملية الجنسية أو سماع الأصوات أثناء نومهم، وغالبا ما يقوم الأطفال بتجربة هذا الأمر فيما بينهم”.
ويوضح مدير المركز تعاونهم مع عدد من المنظمات المحلية والعالمية من أجل رفع التوعية تجاه هذه التصرفات، مضيفاً “نحاول إيجاد برامج تربوية وأنشطة معينة تشغل الأطفال والشباب وحتى الكبار كالمسرح وإقامة المباريات الرياضية”.

الجاني حر

معظم الحالات التي صادفتها رشا خلال الثلاث سنوات من عملها في مراكز الإيواء بمختلف المناطق السورية هي حالات لفتيات وسيدات كن يتحدثن عن معاناتهن بعد انتقالهن من المكان الذي كان يتم فيه الاعتداء عليهن، ولم يخبرن أحد خشية قطع المعونات عنهن وعن أسرهن، أو طردهن خارج المراكز، التي تشكل الملجأ الوحيد لمعظمهن.

لم تتقدم أياَ من النساء أو الفتيات بشكوى رسمية ضد الأشخاص الذين اعتدوا عليهن، وكن يكتفين بمشاركة ما حصل لهن من اعتداء مع أشخاص يثقن بهم كمقدمي الدعم النفسي أو الأطباء الذين يقومون بزيارة المراكز، فمعظم الأحيان كان المعتدي شخص مسؤول في مركز الإيواء أو حتى متطوع يتردد بشكل دائم. وتتابع رشا كنا نشهد حالات لفصل عدد من الشبان من فرقنا التطوعية دون أي محاسبة لنعرف فيما بعد أن هذا المتطوع كان يقوم بالاعتداء الجنسي على نساء أو أطفال. لكن المسوؤلين كانوا يكتفون فقط بفصله من الفريق دون أي محاسبة قانونية.

وحيدات لكن بكرامة

تضغط سمر 14 عاماً، على محرك آلة الحياكة خاصتها، تريد أن تستغل وجود التيار الكهربائي لإنجاز طلبيات التصليح التي لديها. تعيش سمر مع والدتها وشقيقتها وأخ صغير لم يتجاوز الثمان سنوات في محال تجاري مؤلف من صالة المحل وركن صغير تحول الى مطبخ، فيما تستخدم العائلة التواليت للاستحمام رغم أنه لا يتسع لأكثر من شخص واحد يستحم وهو واقف. تقول والدة سمر: كنا نعيش في أحد مراكز الإيواء بعد أن تهجرنا من منزلنا في منطقة الذيابية، توفي زوجي الذي كان بلاط ولم يترك لنا أي نقود تعيلنا، لذلك كان مركز الإيواء ملجؤنا الوحيد وكنا نعيش مستورين لكن بعد وصولنا بمدة قصيرة، بدأت ابنتي تتغير فأصبحت عصبية المزاج تتوتر بسرعة لا تسمح لأخوتها بلمس أغراضها وباتت تنام لساعات طويلة وانقطعت عن الطعام وأخذت ألاحظ أن عصبيتها وتوترها كانا يزدادان عندما كنت أطلب منها أن تساعدني في نشر الملابس. وبعد أن راقبتها وسألتها علمت منها أن جاراً لنا يسكن مع عائلته في الغرفة المجاورة لغرفتنا، تحرش بها جنسياً عند غرفة الدرج.

لا تعلق سمر على حديث والدتها،فهي لم تكن تدري ماهية الفعل الذي يقوم به جارهن، في البداية كان يحن عليها كأنه والدها. وتقول “كان يجلسني إلى جانبه وسط أبنائه ويعطيني الشكولاتة والبسكويت مثلي مثل أبنائه، لكنه لاحظ تعلقي بأحد أصناف الشكولاتة فصار يحضرها ويقول لي أريد أن أعطيك إياها بعيداً عن بقية الأطفال كي لا يشاركك أحد فيها. وصرت ألتقيه عند باب الدرج، وكان يطلب مني أن أجلس على رجله وعندما كنت أنفر منه كان يطلب مني اعتباره بمثابة والدي، وعند بكائي ومقاومتي له، كان يضع يده على فمي كي لا يسمع أحد صوتي”.

لم يكن من السهل على سمر البوح بما حدث لها ولا تحبذ سمر الحديث بهذا الأمر كثيراً لكنها تقول: ” كما أريد أن يصل صوتي للجميع كي لا تتعرض فتيات أخريات للأمر المقرف الذي حدث لي”.

لم تسكت والدة سمرعلى الانتهاك الذي وقع لابنتها، واجهت الجار وزوجته لكنه أنكر حدوث أي من هذا الكلام حتى، الجارة التي كانت تشتكي من تصرفت زوجها وحديثه مع النساء في المركز هاجمت سمر ووالدتها واتهمت سمر بمحاولة اغواء زوجها الذي يكبر سمر بعشرين عام. وانتهى الأمر بسمر وعائلها في الشارع. لكن عدد من المتطوعين قاموا بجمع المال واستئجار مكان للعائلة للتمكن من الإقامة فيه، وتعلمت سمر تصليح الملابس مقابل مبالغ لا تتعدى المائة ليرة سورية.

نصفهن معنفات

أعلن رئيس “الهيئة العامة للطب الشرعي بسورية” “حسين نوفل” في تصريحات صحفية أن عدد حالات العنف سواء على المرأة أو الأطفال ارتفعت بشكل ملحوظ في ظل الأزمة الحالية، وذلك بسبب العديد من الأسباب أولها النزوح الذي شكل ضغطاً على العديد من الأسر، التي أجبرتها الظروف على تشارك السكن أو استئجار غرف صغيرة، إضافة إلى ارتفاع نسبة الفقر”. ويشير نوفل إلى أن عدد حالات الاغتصاب في دمشق وريفها وصلت إلى 75 حالة، بحسب دراسة نشرت في العام 2011، على حين لم يتم إعداد دراسة في الوقت الراهن عن عدد حالات الاغتصاب. وكشف نوفل أن نسبة تعرض المرأة للعنف الأسري ارتفعت حالياً إلى 50 بالمئة سواء من الزوج أو الإخوة أو الأب.

لا مكان للمعنفات والعازبات

ارتفاع نسبة العنف ضد النساء أدى إلى زيادة كبيرة في نسبة النساء ممن يطلبن الحماية في الظروف الحالية.

فالمنظمات الإنسانية والحقوقية تجد صعوبة في التأكد من الوضع الإنساني والحقوقي للنساء المتواجدات في مراكز الإيواء داخل سورية وذلك بسبب الأوضاع الأمنية السائدة و تشدد الحكومة السورية في الإجراءات التي تسهل عمل تلك المنظمات. وأوردت عدد من الجمعيات و المنظمات غير الحكومية في تقريرها المقدم للجنة سيداو “اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة” أنه لا يتم استقبال النساء الوحيدات المعنفات- والمعرضات للخطر متزوجات كن أو عازبات في مراكز الإيواء التي فتحت لاستقبال النازحين داخل سوريا إلى جانب وجود داران فقط للإيواء في مدينة دمشق دير راهبات الراعي الصالح- واحة الأمل.

لكن الحكومة السورية كانت قد صرحت أمام ذات اللجنة. قائلة: فيما يتعلق بمعاملة المغتصبات والمجبرات على ممارسة الدعارة “القانون السوري يتعامل معهن كضحايا ويجري حمايتهن واستقبالهن في مراكز رعاية خاصة وتقديم كل متطلبات الرعاية مع الحفاظ على السرية والخصوصية وتتبع هذه المراكز لوزارة الشؤون الاجتماعية ولبعض الجمعيات الأهلية.”كما يتم محاسبة الجاني وفق قانون العقوبات السوري بموجب البند السابع من المادة 64 والذي ينصل على فصل العامل من عمله اذا حكم على العامل بحكم قضائي مبرم بعقوبة جنائية أو جنحة مخلة بالأخلاق وبالآداب العامة”.

لكن الجمعيات تقول في تقريرها أن هذا القانون لا يحتوي ذكر صريح على فعل التحرش. كما أن القانون السوري لا يراعي الإجراءات المحددة في التوصيتين 19، 28 من اتفاقية سيدوا والقاضية بحماية النساء من العنف والتمييز وغالباً ما تتعرض النساء للتحرش الجنسي أثناء المداهمات أو عند وقوفهن على الحواجز. متابعةً أن الجواب يفتقر إلى الدقة والمصداقية لأن أولئك الضحايا “المجبرات” يحاكمن وفق قانون الأحداث المتخلف، إذا كن قاصرات، ويوضعن في “مراكز الجانحات” وهي ليست إلا مراكز احتجاز تخلو من أي آلية لتمكين أولئك الطفلات الضحايا. أما البالغات فيحلن إلى السجن.


تم إنتاج هذا المحتوى الإعلامي في سياق ورشة عمل تدريبية حول تغطية قضايا العنف الجنسي وبالتعاون بين BBC Media Action  وشبكة الصحفيات السوريات.