قالت لي العصفورة

هل ستجد الرقم؟ بالطبع ستجده فهو مطرزٌ على ثيابها منذ عدة أشهرٍ، أمسكت السماعة، طلبت الرقم، وانتظرت. دقائق قليلةٌ، وجاءها صوتٌ منهكٌ:

ـ “ألو، مين؟”

ـ “ألو مرحبا، أنا اسمي هند مجلي، في عندكن شب اسمه بلال؟”

استطاعت أن تلتقط مشاعر الخوف والرعب من الصوت المرتجف المتردّد، فسارعت بالقول:

ـ “بلال بفرع فلسطين، وهو بخير”.

لكن الرجل لم يطمئن وبدا أكثر شكاً وريبةً، وهنا تابعت حديثها، وبدأت تروي قصته التي سمعتها خلال التحقيق. عندها ارتاح الرجل الذي عرف عن نفسه، بأنه والد بلال، وبدأ بالاستفسار عن حال ولده أكثر، كما أخبرها أنهم لا يعرفون عنه شيئاً منذ خرج من المنزل منذ حوالي أربعة أشهر.

“قالتلي العصفورة”، تلك العبارة التي اعتدنا سماعها في صغرنا من والدينا عندما كنا نجتهد لنخفي أمراً ما عنهم، وتحديداً فيما يتعلق بالمدرسة. لكنّنا لم نكن نتخيل أن نكبر يوماً لنكتشف بأن العصفورة حقيقيةٌ، وليست من نسج الخيال. في ظل الاعتقال، والتغييب القسري وجدت الكثير من العصافير التي تحمل الأخبار للأهالي المتلهفين لسماع ولو كلمة واحدة تطفئ نار قلوبهم. هند كانت واحدةً منهم/ن، لكن ماذا كانت قبل ذلك؟

هند، مدرّسة لغة إنكليزية في العقد الخامس من العمر، عملت بالمدارس الثانوية لمدة 25 عاماً في مدينة درعا. في 18 آذار 2011 خرجت إلى جانب أهالي درعا بمظاهراتٍ سلميةٍ مطالبين بالحرية، والتغيير، وإطلاق سراح المعتقلين، وإلغاء قانون الطوارئ، وكانت أول امرأة تشارك في درعا منذ اليوم الأول. علت أصواتهم وارتفع سقف مطالبهم حتى بلغ مطلب إسقاط النظام بعد أن قوبلت مظاهراتهم بالرصاص، وكانت البداية سقوط أربعة شهداء.

بعد أكثر من شهرٍ تقريباً، وفي 24 نيسان، اقتحمت دبابات الجيش السوري درعا، وبدأت حصاراً خانقاً على المدينة، في ذلك اليوم تمت مداهمة بيت هند، دخل عناصر أمن باللباس المبرقع، والسلاح الكامل، فتشوا المنزل ثم اقترب أحدهم منها قائلاً:

ـ “البسي تيابك لتروحي معنا”

ـ “لابسة تيابي”

ـ “قصدي حطي عراسك”

ـ “أنا هيك بطلع، ماني محجبة”

نظر إلها نظرة تعجبٍ ثم طلب منها الخروج مع العناصر إلى السيارة التي أقلتها إلى فرع فلسطين في دمشق، هناك أيضاً رحب بها أحد العناصر قائلاً: “شو الأخت مجاهدي؟” إلا أن أحد العناصر الذين اقتادوها من درعا نظر إليه نظرة غضبٍ ثم أحاطها قائلاً: “لا تخافي يا أمي”. ترى لماذا توجه لها تلك العبارات قبل أن يتم التحقيق معها؟ ألمجرد أنها خرجت منادية بالحرية؟ هل حقاً كانوا يعتقدون بأنهم ذاهبون للقبض على مجاهدة سلفية؟ من زرع كل ذلك في عقولهم؟

أربعة عشر يوماً قضتها في زنزانةٍ فرديةٍ لا تتجاوز المتر طولاً وعرضاً، فيها حفرةٌ لقضاء الحاجة إلى جانب صنبور ماء والباقي مساحةٌ لجسدها. لم تتعرّض هند للتعذيب الجسدي، أو اللفظي لكنها عانت ما هو أشد وأقسى فخوفها على أصدقائها وأسرتها، وأصوات المعتقلين، وصراخهم خلال جلسات التعذيب، كبّل روحها بما هو أثقل من السلاسل.

خرجت بعد ذلك لتعود إلى درعا التي بدت كأنها لا تعرفها، عددٌ كبيرٌ من الحواجز يحيط بالمدينة، وحظر تجولٍ خانقٌ يشلّ الحركة تماماً. التأثير النفسي

للاعتقال لم يحل بينها، وبين العودة إلى نشاطها السابق، فحال المدينة والسكان كان من سيء إلى أسوأ. دعت لاعتصامين نسائيين أمام قصر المحافظ، بهدف وقف حظر التجول عن درعا البلد. شاركت معها حوالي 30­35 سيدة، إلا أنّ أحداً لم يعرهن اهتماماً في اليوم الأول. أما في اليوم التالي فقد عمد رجال الأمن إلى التجول بين السيدات أثناء الاعتصام دون أن يتعرّضوا لهن بشيء، وكان الهدف إخافتهن فقط. لكن النساء حققن نتائج جيدة في نهاية المطاف، وتم وقف حظر التجول بعد أيامٍ قليلةٍ.

ازدادت المظاهرات النسائية في درعا بمشاركةٍ دائمةٍ من هند، فتم استدعاؤها إلى فرع الأمن للتحقيق، هناك فاجأها الضابط بالقول: “بتعرفي إنك طلّعتي نسوان حوران كلهن؟” لكن لم يكن يعنيها من شجّع النساء على مشاركة الرجال صرخاتهم، بقدر ما كان يعنيها أنهن شاركن بالفعل.

استمر نشاطها بين درعا، ودمشق، حيث بدأت بمتابعة قضايا المعتقلين/ات الأوائل من درعا بمساعدة محامين، كانت تتابع شؤونهم، وأوراقهم في القصر العدلي، والقضاء العسكري، وسجن عدرا، كما كانت تستقبلهم عند الإفراج عنهم، وتتابع صحتهم النفسية والجسدية مع الأطباء، حتى أصبحت قضية المعتقلين/ات قضيتها الأولى، إضافةً إلى إغاثة النازحين/ات القادمين/ات من مناطق أخرى. إلا أنّ القلق سيطر على حياتها خوفاً من اعتقال آخر وبدأت تقلّل من فترات تواجدها في المنزل الذي تمّت مداهمته أربع مرات.

(منحوتة للفنانة علا الشيخ حيدر. صممت خصيصا لهذه الحكاية ضمن مشروع حكواتيات)

لاحقاً في 12 أيلول 2012 اضطرت لتسليم نفسها لفرع فلسطين بعد اعتقال ابنتها كرهينةٍ، والتي أفرج عنها فوراً بعد وصول والدتها. أمضت هذه المرة أربعة أشهر في زنزانة جماعية بدت لها كالقبر الجماعي لصغرها، وكثرة المعتقلات فيها، هذه المرة أيضاً لم تتعرّض للتعذيب الجسدي أو اللفظي، لكنها عانت من التعذيب النفسي، لا سيما بعد تهديدها باعتقال ابنتها. لم تستطع أن تتصوّر مشهد ابنتها وهي تجلس في هذا المكان، وتستمع لصرخات التعذيب وارتطام الرؤوس بالجدران. وكما الاعتقال الأول كانت تلك الأصوات تؤرقها، وتؤلمها لأنها غير قادرةٍ على فعل شيء. حتى بدأت تفكر بوسيلةٍ مختلفةٍ للمساعدة. بدأت تنصت إلى جلسات التحقيق من خلال باب الزنزانة كانت تلتصق هناك، وتطلب من جميع النساء في المعتقل أن يصمتن حتى تتمكن من حفظ أكبر قدرٍ من المعلومات. تمكنت من حفظ أرقام تلفوناتٍ وعناوين وأحياناً أسماء لبعض المعتقلين بهدف التواصل مع أهلهم في حال خرجت قبلهم.

في فترة اعتقالها الأخير تمكنت من الحصول على إبرةٍ وخيطٍ، فبدأت بمساعدة بقية معتقلات الزنزانة بحياكة أسماء وأرقام المعتقلين التي حصلت عليها على ملابسهن. في اليوم الخامس والثمانين من فترة اعتقالها بدأت مرحلةٌ جديدةٌ بالنسبة إليها، أحلامٌ غريبةٌ كانت تقض مضجعها، وتوقظها، وهي ترتعد خوفاً وهلعاً. في البداية رأت ابنتها تفترش بطانيةً، وتنام على الأرض تماماً، كما تنام هي، ثم تلاه حلمٌ آخر رأت فيه ابنتها تمشي في أروقة فرع فلسطين، ومما زاد هلعها أكثر أنّها تخيّلت أنها رأت اسم ابنتها على جدار حمام السجن، عندها لم تعد تحتمل وانهارت بالبكاء والصراخ قائلة: أين ابنتي؟ ابنتي هنا… ابنتي معتقلة. أسرع السجانون لدى سماعهم صوتها وأقسموا أنّ ابنتها ليست هناك. ومنذ ذلك الحين خفّ انتباهها لما يجري وراء الباب، وبدأت تهتم لما يجري وراء الجدار. وراء ذلك الجدار كانت زنزانةٌ أخرى تضم معتقلاتٍ أخريات، لم تدرك في ذلك الحين سبب قضائها ساعاتٍ متواصلةً، وهي تحاول الاستماع إلى أصوات المعتقلات في تلك الزنزانة، كانت تسمع ضجيجهن، وأصواتهن، إلا أنها لم تتمكن من فهم أحاديثهن، أو تمييز أي صوتٍ من أصواتهن.

أمضت حوالي خمسة وثلاثين يوماً على تلك الحال، إلى أن استدعاها المحقق في اليوم المائة والعشرين، من فترة اعتقالها ليبشرها بأنه سيتم الإفراج عنها ضمن صفقة التبادل مع الأسرى الإيرانيين، ويقتلها بخبر وجود ابنتها في الزنزانة المجاورة لها دون أن تكون من بين المفرج عنهن ضمن تلك الصفقة. لقد كان بينهما جدارٌ فاصلٌ فقط طوال شهرٍ كاملٍ. كما عرفت هند لاحقاً أن اعتقال ابنتها جاء في نفس اليوم الذي بدأت تراودها فيه تلك الأحلام المرعبة.

 9/1/2013 ذلك اليوم الثلجي البارد الذي نالت فيه حريتها ضمن صفقة التبادل مع الأسرى الإيرانيين، كان الأسوأ على قلبها. لم تعد تشعر بآلام جسدها المريض المنهك، وعظامها التي كانت بالكاد تحملها بينما تدرك بأنّ ابنتها لا تزال في ذلك المكان المخيف. لم يكن ذلك فحسب، فأخبار بقية أسرتها لم تكن سارةً هي الأخرى، فمنهم من اعتقل أيضاً، ومنهم من قتل، ومنهن من فرّ بأسرته خارج البلاد هرباً من السلطات.

رغم كل ذلك لم تستسلم لليأس، فأيام السجن الطويلة ما كانت سوى تحضيراتٍ للخطوة المقبلة. بدأت تسترجع الأسماء، والأرقام التي حفظتها من خلال الاستماع إلى جلسات التحقيق، وكذلك تلك التي قامت بخياطتها على ملابسها، راحت تتصل، وتنقل المعلومات التي حصلت عليها. وكان بلال أحدهم، وهو طالب من مدينة درعا كان يدرس في جامعة طرطوس، اعتقل أثناء ذهابه إلى الجامعة دون أن يعلم أهله شيئاً عما جرى له. في البداية كانت تحاول الإصغاء دون أن تتمكن من فهم كل شيء، لكن ما إن وصلت كلمة درعا إلى مسامعها، حتى ارتفع صوتها طالبةً من النساء التزام الصمت كي تتمكن من فهم ما يدور، وهكذا تمكنت من سماع قصته، وحفظت رقم أهله الذين اتصلت بهم فور خروجها.

تابعت نشاطاتها السابقة، ومنها متابعة قضايا المعتقليين/ات، وبحكم تواجدها الدائم في المحاكم كانت تتمكن من جمع معلومات جديدة تقوم بإيصالها للأهل، وذلك عبر استقبال المعتقلين/ات المفرج عنهم، وسؤالهم في أي فرع كانوا، وإن كانوا يتذكرون أسماء من كان معهم. وفي أحد الأيام التقت بمجموعة شبانٍ خارجين من فرع فلسطين، على الفور سألتهم عن بلال، فأخبروها أنه قد بصم على أوراق خروجه، وسيتم الإفراج عنه خلال فترةٍ قصيرةٍ، سارعت بالاتصال بأهله لتبشرهم، وبعد عدة أيام جاءها اتصال منهم يخبرها بأنه خرج بالفعل.

أفرج عن ابنتها بعدها بشهرين، ولكنها بدأت تتلقى تهديدات بالاعتقال من جديد، وتمت مداهمة منزلها وبعثرة أثاثه وسرقة أشياء كثيرةٍ منه. كما صدرت بحقها وثيقة منع سفر. لكنها لم تتوقف، واستمرت بالعمل حتى تم قتل أخيها الأصغر بعد اعتقاله بأسبوع. كانت تلك الضربة التي كسرتها، وجعلتها تدرك أكثر من ذي قبلٍ أن وجودها بات خطراً حقيقياً على أسرتها وأصدقائها.

حاملةً حقيبة يدها فقط، وقلباً مكبلاً بالذكريات، والآلام عبرت حدود لبنان بطريقةٍ غير شرعيةٍ. لم يكن خوفها على نفسها هو من دفعها لذلك القرار السريع، وإنما التعب النفسي الذي سيطر عليها أكثر، سيما بعد استشهاد أخيها الأصغر، وقلقها على من تبقى من أسرتها وأصدقائها. على الرغم من أنها كانت تخطّط لأن تكون فترة وجودها في لبنان فترةً مؤقتةً، كي تعيد ترتيب نفسها، وحياتها وتعود من جديدٍ إلى سوريا، إلا أنها سرعان ما اختلطت مع مجموعات من السوريين/ات المتطوعين/ات لإغاثة ودعم اللاجئين في لبنان. كما بقيت على علاقةٍ بمنظماتٍ مدنيةٍ تعمل في درعا.

لم يتحقق حلمها، إذ ازدادت الأمور تعقيداً، وبات من غيرالآمن لها أن تعود، توفيت والدتها هماً وحزناً دون أن تحظى بضمة منها، أو حتى نظرة من عينيها. ومن منفى إلى منفى انتقلت هند إلى ألمانيا مؤخراً مرغمةً كما انتقلت سابقاً إلى لبنان، وفي قلبها لا زالت تحتفظ بأمل العودة.
(ينشر هذا النص بالتعاون مع حكاية ما انحكت، وهو يأتي ضمن مشروع “حكواتيات .. قصص نساء سورية خارج الظل).

(الصورة الرئيسية: كرتونة من تصميم فريق كرتونة من دير الزور)