جيل الحرية

ـ “لحد اليوم صوته بداني، وبحس إني لسّا عم اسمعه، صوته كان يأثر فيني كتير، خصوصي وهوي عم يقرا قرآن. ما كان حافظ كتير من قبل، بس حفظهن بفترة وجوده هنيك”.

كان صوته من أكثر الأصوات التي احتفظت بها ذاكرتها، فلقد اعتادت أن تسمع أنينه من ثقب الباب، فهو لا ينام، رغم حبوب المنوّم التي كانت تُعطى له. كان النوم عصياً على عقله قبل عينيه. كانوا يعاملونه كالمجنون، ولم يكن أحد يكترث لكلامه، وحدها اعتادت أن تحدّثه ليلاً من خلال ثقبٍ بالباب بعد رحيلهم جميعاً. لقد كان محامياً يقبع في ذلك المكان تحت رحمة “مقدّم الفرع” زميل دراسته.

بالنسبة لنعمة ابنة الرابعة والعشرين، كانت الثورة نقطة تحوّلٍ هامةٍ في حياتها، اكتشفت نقاط قوتها التي كانت السبب في خروجها من نطاق المجتمع التقليدي، وأفكاره التي كانت (حسب رأيها) تضع الفتيات بين خياراتٍ ضيّقةٍ، فإما دراسة مواد محدودة تناسب المنظور الاجتماعي للأنثى، أو الزواج.

هاجس الاعتقال والخوف من بطش النظام جعل أهلها يصرّون على الوقوف ضد مشاركتها حتى لو كانت سلميةً بسيطةً. ولأنّها كانت مصرّةً على خيارها بدأت نشاطها السلمي بشكلٍ مخفي. لم يكن ذلك بالأمر السهل وإنّما تحوّلت الأمور لتصبح أكثر تعقيداً، إلا أنّها لم تتوقف، بل تابعت، واختارت أن تطلع أسرتها على نشاطها، ولكن على أن تعطيهم رؤوس أقلامٍ فقط، وليس تفاصيل واضحة. يوماً بعد يوم، تأقلمت الأسرة مع الفكرة، وقرّروا أن يكونوا سنداً لها ولا سيما والدتها التي كانت دائماً إلى جانبها.

تنوّع نشاطها السلمي في دعم الحراك بتوزيع منشوراتٍ، والخروج في المظاهرات، والعمل الإلكتروني كتقطيع فيديوهات وتحميلها على شبكة الإنترنت. كانت تشعر بأنّ مشاركتها بسيطة، فلم تكن قادرةً على إيقاف آلة الموت التي تطحن الأرواح أمام عينيها إلا أنّها كانت تؤمن بأنّ نشاطها البسيط يساهم في نشر الحقيقة، الحقيقة التي لابد أن تقود إلى العدالة يوماً ما.

تمّ اعتقالها مع إخوتها للمرة الأولى في فرع الجوية في حمص. اعتقالٌ لم يدم طويلاً بسبب عدم قدرتهم على كشف أيّ نشاطٍ، سواء لها أو لإخوتها. أشهرٌ قليلة بعد ذلك، واضطروا لمغادرة حمص بسبب اشتداد القصف وخلو المنطقة من السكان. وجهتهم الأولى كانت مدينة داريا الواقعة في ريف دمشق، تلك المدينة التي اشتهرت بنشاطاتها السلمية المتنوعة، ذلك ساعد “نعمة” على توسيع نشاطها ليشمل الإغاثة، وتقديم المساعدات.

انفتاحها على العالم شجّعها على تطوير ذاتها، فهي طالما حلمت بمتابعة دراستها في مجال حقوق الإنسان. سافرت إلى لبنان والتحقت بدورة تحقيق جنائي دولي. حاولت أن تطوّر قدراتها أكثر من خلال التدريب على العمل على جرائم دوليةٍ. ومن ثم عادت إلى سوريا، واتجهت إلى المجال التوثيقي مما وضعها عرضة للخطر سيما بعد محاولاتٍ عدّة للدخول إلى مناطق محاصرة.

غادرت داريا مع أسرتها بعد عامٍ على وجودهم فيها، متجهين إلى طرطوس على إثر المجزرة التي حصدت الكثير من الأرواح. كانت الأوضاع مختلفة في طرطوس فهي مدينة تعج بمؤيدي النظام السوري، ولا مجال للعمل بشكلٍ علني، فانحصر نشاطها بنقل الأخبار فقط، أي حلقة وصلٍ بين الناشطين/ات. وعلى الرغم من ذلك كانت مع أسرتها موضع شكٍ من قبل سكان المنطقة الذين تسبّبوا لهم بمشاكل عدّة، كانت آخرها تقريرٌ قدّم للأمن العسكري، تم اعتقال “نعمة” للمرة الثانية على أثره.

كانت التهم المتضمنة بالتقرير مبالغٌ بها كثيراً، وأكبر من نشاطات “نعمة” الحقيقية، ومنها خطفٌ، واستدراج جنود من الكتيبة العسكرية التي كانوا يسكنون بالقرب منها، تصوير الكتيبة ونقل صورها من خلال الأنترنت الفضائي، نقل أسلحة لمناطق في ريف طرطوس، وهو ما لم تقم به بالطبع.

كانت لهم طريقةٌ خاصةٌ لانتزاع اعترافاتٍ من فتيات في مثل سنها، تتمثل في محاولة التودّد لها من خلال التأكيد على أنّها غير مذنبةٍ، وإنما طفلة مغرّرٌ بها من قبل شخصٍ ما. وغالباً ما يكون حسب زعمهم عنصر من الجيش الحر تحبّه الفتاة بينما هو يقوم بالتأثير عليها واستغلالها. لكن ذلك لم ينجح معها، ولمدة ١٨ يوماً في المنفردة مع تحقيقٍ متواصلٍ من الصباح حتى المساء ظلّت مصرةً على أنّها المسؤولة الوحيدة عمّا قامت به. لم تتعرّض للضرب أو للتعذيب الجسدي إلا أنها اعترفت ببعض نشاطاتها تحت الضغط النفسي. لم تكن تريدهم أن يلفقوا لها التهم أو أن يدفعوها لذكر أسماء أشخاصٍ آخرين لذلك فضلت ذكر بعض الأمور، وإخفاء البعض الآخر.

ربّما يكون إصرارها ومقاومتها الشديدة لجميع أساليبهم المختلفة، وعدم لجوئها إلى أساليب الإغراء التي كانت تستعملها بعض المعتقلات بهدف الخلاص من السجن، هي ما جعلت المحققين يدركون أخيراً بأنها على درايةٍ تامةٍ بالطريق الذي اختارته، مما شكل عندهم صورةً مختلفةً متعاطفةً إلى حدٍ ما (حسب رأيها). كان مدير فرع الأمن السياسي يطلب من الحراس أن يتأكدوا من إقفال باب الزنزانة والباب الخارجي بإحكام حرصاً على ألا يصيبها أي أذى من أي شخصٍ كونها كانت الفتاة المعتقلة الوحيدة في ذلك الفرع الصغير.

بعد انتهاء التحقيق في ذلك الفرع نقلت إلى فرع الفيحاء في دمشق، والذي كان أكثر سوءاً وأدى إلى إصابتها بالكثير من الأمراض الجسدية، إضافة إلى الضغط النفسي الذي عانته بسبب أصوات التعذيب التي كانت تجول في المكان كأرواح تطبق على النفوس.

“سائر عبدو”، كان أحد الأصوات التي احتفظت بها ذاكرتها لكثرة ما تردّد إلى مسامعها. ألم التعذيب نهاراً وسكينة تلاوة القرآن ليلاً، أيامٌ طويلة من اليقظة المستمرة حولته إلى مجنون بالنسبة لسجانيه حتى لم يعودوا يكترثوا لأي من كلماته.

نقلت بعد ذلك إلى سجن عدرا، ذلك المكان الذي ترك بصمته السلبية على نفسيتها. ليس بسبب التوقيف فقط وإنما بسبب بعض الموقوفين أنفسهم، الذين بدأوا يتخلّون عن مبادئ الثورة رويداً رويداً طمعاً بالنجاة من السجن ربما. لطالما سألت نفسها: هل يستحق أولئك فعلاً تلك الألقاب والشعارات الثورية التي يحملونها؟ هل هم حقاً من أحببناهم وكانوا لنا القدوة؟ قد يتمكنوا من تبرير سلوكهم لأنفسهم، ولكن الأمر كان مختلفاً بالنسبة إليها، فالحياة موقفٌ، إما الثبات والمقاومة أو الهزيمة والخنوع.

الوجه الأسود الآخر لسجن عدرا كان قصص النساء اللاتي التقت بهن هناك، فعلى الرغم أنّ الكثير من الشهادات جاءت لتؤكد التحفّظ الشديد على موضوع “العذرية”، والذي غالباً ما تسأل المعتقلة عنه في بداية التحقيق، إلا أنّ معظمهن تحدثن عن بشاعة التفتيش في فروع الأمن، والذي كثيراً ما كان يتم بتعرية الفتاة بالكامل من قبل عناصر التفتيش، بالنسبة إليهن لم يكن ذلك الانتهاك أقلّ ألماً بل على العكس كان أقسى من الاغتصاب بحد ذاته. نعمة كانت إحدى المحظوظات اللاتي لم يتعرّضن لذلك النوع من التفتيش إلا أنها كانت تسأل ذات السؤال في كلّ مكان تنقل إليه:

ـ “إنت بنت؟”

لم تدرك معنى السؤال في المرة الأولى التي سمعته بها فأجابت باستغراب.

ـ “طبعاً بنت لكن شب!”

إلا أنها سرعان ما فهمت عندما ضحك المحقّق وبدأ يسخر منها.

تلك الأسباب مجتمعة جعلتها تفقد الثقة بالناس بعد خروجها من السجن في الشهر السادس من عام ٢٠١٤ بتسويةٍ استهدفت شباب حمص، صدرت بمناسبة الإنتخابات الرئاسية في ذلك العام بعد أن كانت قد أمضت ٨ أشهر بين اعتقال في فرعي أمن وتوقيف في سجن عدرا. اتجهت نحو العزلة التامة، والتدخين المتواصل الذي تعلمته خلال فترة وجودها في سجن عدرا. رغم محاولات أهلها وأقربائها الحثيثة على مساعدتها إلا أنها خرجت إلى العالم بوجهٍ جديدٍ، وروحٍ محقونةٍ بالغضب تضرب جميع العادات والتقاليد بعرض الحائط دون أن تكترث لشيء.

خلال إسبوعين فقط من الإفراج عنها انتقلت مع أسرتها إلى لبنان، أولاً خوفاً عليها من الاعتقال ثانية، وثانياً طمعاً بمساعدتها على العودة إلى الحياة الطبيعة، إلا أن ذلك أخذ منها ومنهم الوقت الكثير. لم تكن المعالجة الجسدية بالتحدي الأكبر وإنما النفسية بالطبع. ليالٍ وليالٍ عانت من كوابيس مؤلمة كانت تعيدها إلى دهاليز فروع الأمن وعتمة الزنزانات. ليس ذلك فحسب بل كان عليها أن تنقذ نفسها أيضاً من اعتقالٍ من نوعٍ آخر، إنه اعتقال المجتمع للجسد الأنثوي.

ـ “إنشالله ما قربوا عليك”

ـ “ضربوكي؟”

ـ “شافوا شعرك؟”

ـ “كان في بنت مع بنت جوا؟ سمعنا قصص عن شذوذ ما شذوذ”

تلك بعض الأسئلة والتعليقات التي كانت تنتظرها،  ولم تكن لتقلّ ألماً عن ألم الاعتقال.

خضعت للعلاج النفسي وبمساعدة أسرتها بدأت تتخلّى تدريجياً عن التدخين الذي كان سابقاً متنفسها الوحيد. كذلك عادت لتختلط بالناس من جديد. شاركت في العديد من الدورات في مجالاتٍ مختلفةٍ: صحافةٌ ومجتمع مدني.. ثم تمكنت من الحصول على منحةٍ دراسيةٍ، وعادت لتتابع حلمها في التخصص في مجال حقوق الإنسان.

تجربة الاعتقال المؤلمة كانت المفتاح الذي جعلها تكتشف قوتها، وصمودها الداخلي. لم تشعر باليأس من الخروج يوماً خلال تلك الفترة بل كانت تؤمن بأنّ الله لابد أن ينقذها، فهو وضعها في تلك الطريق ورعاها وهو سيخرجها. تلك الأفكار كانت وما زالت مسلمات بالنسبة إليها.

“نعمة” اليوم ترى في نفسها بطلةً بكل معنى الكلمة، كيف لا؟ وهي لم تسمح للظروف أن تثبط من عزيمتها، وإنّما دفعتها لبناء نفسها بشكلٍ أفضل. على  الرغم من الدمار والألم الذي طال كل شيء لكنها ترى أنّ الثورة فتحت آفاقاً جديدةً بالنسبة لها كما للنساء الأخريات. أعطتهن الحق في التفكير والاختيار، وسعت مجالات عملهن التي كانت محدودةً جداً اجتماعياً لتشمل التطوع والإغاثة والعمل السياسي.

 الحراك الثوري بشقه المدني لم يبنى على الذكر فقط وإنما تم بمشاركة الجميع. فالنساء كتبَّن الشعارات، ورفعَّن اللافتات، ونظَّمن وصورنّ المظاهرات، وارتفعت أصواتهن منادية بالحرية كما الرجال.
(ينشر هذا النص بالتعاون مع ” حكاية ما انحكت”، وهو يأتي ضمن مشروع “حكواتيات .. قصص نساء سورية خارج الظل”)

(الصورة الرئيسية: منحوتة للفنانة علا الشيخ حيدر، وهي صمّمت خصيصا لهذه الحكاية)