بنات الفزعة

ـ لا، لا هاد كابوس، أكيد كابوس

 بلا وعي رمت الموبايل، واللابتوب تحت السرير، وعادت إليه غطت وجهها بالغطاء كمن يدفن رأسه في التراب. الأصوات القادمة من الخارج مرعبةٌ، الطرقات على الباب ليست لأيدٍ بشريةٍ. كانوا ثمانية أشخاصٍ تحسبهم جيشاً، أحذيتهم المصممة لأرض المعركة كانت تغزو كل شبرٍ من البيت، وتدوس كل مافي طريقها. لحظاتٌ قليلةٌ ونُزع عنها الغطاء ليبدأ الكابوس الحقيقي.

 حلب المدينة التي راهن النظام على ولائها، وبذل كل ما يستطيع كي تبقى شرارتها خامدةً باعتبارها تعد عاصمة سوريا الاقتصادية، انطلقت مظاهرتها من مقر الجامعة بتنظيمٍ من الطلاب والطالبات في الشهر العاشر من عام ٢٠١١. ريم طالبة ماجستير لغة عربية كانت إحدى الصبايا القليلات اللواتي انضممن إلى تنسيقية جامعة الثورة وشاركن منذ البداية بالاعتصامات والمظاهرات، ثم توسعت الأنشطة لتشمل العمل الإغاثي بعد نزوح عددٍ كبيرٍ من سكان حمص إلى حلب.

 في السنة الأولى من عمر الثورة في حلب، كان لا يزال النظام يتبع سياسةً مختلفةً خوفاً من تصاعد الأحداث فيها. تمثلَ الجزء الأهم منها في محاولة مراعاة طبيعة المدينة المحافظة، وذلك عن طريق عدم التعرض للنساء والفتيات، ذلك خلق مهمةً جديدةً وقعت على عاتق صبايا الجامعة المشاركات بالمظاهرات. كُنّ خمس عشرة صبية من ضمنهن ريم، أطلق عليهن تسمية بنات الفزعة“. تمثلت مهمّتهن الأساسية بتخليص الشباب من الاعتقال أثناء المظاهرات. فما إن يتم اعتقال شابٍ ما أثناء المظاهرة، حتى تسرع إحداهن لتدّعي أنه خطيبها، أو أخاها مثلاً لكي تقوم بتخليصه قبل أن يتم سوقه إلى المعتقل.

 وذلك ما اعتبرته ريم ميزةً إضافيةً أكسبت النساء في حلب قوةً كبيرةً، وتحولت الثورة بالنسبة إليهن من ثورةٍ سياسيةٍ إلى ثورةٍ اجتماعيةٍ. فقد أصبح بإمكانهن الخروج بالمظاهرات، والتعبير عن آرائهن بحرّية جنباً إلى جنب مع الرجال. يتظاهرون معاً، يهتفون معاً، وبالنهاية تقوم النساء بتخليص الرجال. وجدت بعضهن في ذلك فرصةً لتحدد خياراتها الشخصية بمعزلٍ عن رأي المجتمع، من ضمنها كان موضوع الحجاب الذي اختارت ريم وفتياتٍ أخرياتٍ خلعه ربما لأنه لم يكن من خياراتهن الشخصية السابقة.

بدأت ريم تشعر بأنها تخلق من جديدٍ من مظاهرةٍ إلى اعتصام إلى الإغاثة، وجدت في نفسها القوة لتمضي نحو التغيير. لكن دخول الجيش الحر إلى حلب في الشهر السابع من عام ٢٠١٢ قلب الموازين، وانتقلت الأمور من طور السلمية إلى طور التسليح. ذلك دفع النظام إلى تغيير سياساته تجاه المدينة، وبدأ مسلسل العنف يتصاعد أكثر. انقسمت حلب إلى شرقيةٍ وغربيةٍ يفصل بينهما معبر بستان القصر المرصود بأربع قناصين. بات من الصعب الخروج في مظاهراتٍ في حلب الشرقية الخاضعة للنظام لأنه لم يعد يواجهها بالرصاص أو الغاز المسيل للدموع فقط، بل تحول إلى سياسة الإبادات الجماعية كاعتقال عددٍ كبيرٍ من الناشطين في اليوم الأول، وإلقاء جثثهم المحروقة في الشارع في اليوم التالي.

انتقلت ريم في تلك المرحلة من النشاط العلني إلى السري الذي انحصر في حلب الغربية حيث المناطق المحررة. هناك كانت تجتمع مع الناشطين والناشطات للخروج بمظاهراتهم اليومية، ثم تعود إلى حلب الشرقية في ذات اليوم. استمرت في ذلك إلى جانب العديد من الناشطين/ات الذين كانوا يقومون بذات الرحلة اليومية.

مع دخول ٢٠١٣ وجدت ريم نفسها وحيدةً في حلب الشرقية بعد أن غادرها معظم الناشطين/ات خوفاً على حياتهم. على الرغم من أنها كانت لا تزال تتابع نشاطها بالتنقل بين حلب الغربية والشرقية إلا أنها لم تكن تشعر بالخطر بعد، بسبب موقفها المعارض للتسليح أولاً، وبسبب عدم وجود فكرة اعتقال الفتيات ثانياً. لكن تلك الفكرة تغيرت في الشهر السادس من ذلك العام، وتم اعتقال أول ثلاث فتيات في حلب، وذلك ما أعطاها الإنذار لتوقف نشاطها.

في الخامسة صباحاً من يوم ١/١٢/٢٠١٣ استقيظت ريم على صوت والدتها المرتفع قائلة : “مارح افتح، مارح افتحمترافقاً مع طرقات عنيفة على الباب الذي كان مخلوعاً سابقاً ومثبتاً بقفلٍ داخلي. بين اليقظة والحلم فهمت أن والدتها تحاول أن تمنحها بعضاً من الوقت لتخفي أي دليل ضدها. رمت الموبايل والابتوب وعادت لتدفن نفسها تحت الغطاء محاولةً إقناع نفسها بأن ذلك مجرد كابوس. ارتفع الغطاء ووجدت نفسها أمام رائد وسبع عناصر مسلحين قلبوا البيت رأساً على عقب. سأل الرائد: “وين لابتوبك؟فأسرعت والدتها وأعطته لابتوبها قائلة: “هاد لابتوبها“. كرر نفس السؤال عن الموبايل وقامت الأم بنفس الحركة لم تكن تريد أن تعطيه فرصة للتفتيش أكثر، سيما أنها لا تعرف حجم العمل الذي كانت ريم قد قامت به سابقاً. كل ما تعرفه أن لديها نشاطاتٍ سابقة من ضمنها حضور مؤتمر مدينة حلب المحررة في غازي عنتاب قبل ثلاثة أشهر.

دفع الرائد ريم باتجاه الباب رافضاً السماح لها بتغير ملابس نومها الرقيقة، لكن والدتها أسرعت ووقفت في وجه الباب قائلة:

ـ خدها أنا مارح امنعك إنك تاخدها، بس ما بتنزل هيك، بتحط شي عكتافها

على الرغم من أن والدة ريم كانت شخصاً حيادياً أو رمادياً ـ كما شاعت التسمية ـ إلا أن ريم ترى بأنها كانت بطلة الموقف في ذلك اليوم، فبينما كانت ركبتاها ترتجفان خوفاً، كانت والدتها متماسكةً وقويةً حتى أنها لم تبك، ولم ترتجف، وإنما حاولت حمايتها بشتى الوسائل.

لمتنتبه ريم إلى أن الرائد قد أخبر والدتها أثناء وجودهم في البيت إلى أي فرع يتبعون، فبدأت منذ لحظة خروجها من الباب تبحث في ذاكرتها عن اتجاهات الفروع، والطرقات المؤدية إليها لتعرف إلى أي فرعٍ تمضي. وعندما اتجهت السيارة نحو منطقة الزهراء، أدركت في تلك اللحظة أنهم متجهين إلى الجوية. الفرع الذي يمثل كابوس حلب، حيث يُحرق المعتقلون، وكثيراً ما يدخلون ولا يخرجون.

لم تعرف كيف نزلت الدرج، ولا كيف أصبحت بالمنفردة رقم واحد تحت الأرض بطابقين. كانت لا تزال مقتنعةً بأنها في الطابق الأول حتى اكتشفت أن أحد جدران زنزانتها الخارجي هو جدار الشبح، حيث يعلق المعتقلون ويعذبون. في ذات اليوم تم اعتقال فتاةٍ أخرى في نفس الفرع، ومع وجود ثلاث فتياتٍ سابقاتٍ أصبح العدد الكلي خمساً إحداهن كانت مسيحية.

 وجدت ريم أن المعاملة في فرع الجوية خارج غرف التحقيق جيدةٌ نوعاً ما، حيث لا تجد من يقوم بمضايقتك أو التحرش بك من العساكر، أما غرف التحقيق فكانت الجحيم نفسه، فكل معلومة يقدمها المعتقل/ة مخالفة لقصته/ا تعني إعادة التحقيق وإعادة جولة الضرب.

كانت ريم تعاني من مرض هبوط السكر، وهو ما يعني بأنها بحاجة للسكريات دائماً كي تستطيع التوازن. لكن مرضها هو من أنقذها وخفف عنها الألم لاحقاً. ففي الجولة الثالثة من التحقيق فقدت توازنها فجأةً، وسقطت أرضاً حين جاءتها النوبة، بدأ الزبد يخرج من فمها وأصبحت عيناها مقلوبتان. بين الوعي واللاوعي أحست بأحدِ ما يمسكها ويقول: ” أبقى تضربها“.

كان ذلك الشخص مدير السجن الذي دخل صدفةً إلى الغرفة في تلك اللحظة. بالنسبة لها منذ اليوم توقف الضرب نهائياً، أما الفتيات الأربع الأخريات فقد تعرضن للضرب أكثر منها حتى أن بعضهن تعرضن لأدوات تعذيبٍ أخرى كالدولاب والشبح.

أثناء وجود ريم في الجوية عاد والدها من تركيا حيث كان يتعالج عندما تم اعتقالها. وبدأ ووالدتها بالعمل على إخراجها، أخيراً تمكنا من دفع مبلغٍ من المال مقابل تحويلها للمحكمة مما يعني خروجها من المعتقل بعد ذلك. وفي اليوم ٢٠ من وجودها في الجوية تم فعلاً تحويلها مع الفتاة المسيحية إلى المحكمة. وصلتا إلى غرفة القاضي برفقة عسكريين ولم يبقى بينهما وبين الحرية سوى بابٍ واحدٍ، فجأة رن موبايل أحد العسكريين، وكان أديب سلامة رئيس فرع الجوية سأله: “وين البنتين؟شعر العسكري في تلك اللحظة بالأسف عليهما وأراد مساعدتهما فأجاب: “دخلوا عند القاضي، فجائه الرد: ” اذا دخلوا عند القاضي، بتجي إنت بتقعد محلهن“. لم يكن هناك خيارٌ في تلك اللحظة سوى العودة إلى فرع الجوية ثانية. عشرة أيامٍ أخرى مع جولة تحقيقٍ جديدةٍ في الفرع تحولت بعدها إلى فرع الأمن السياسي، حيث وجدت نفسها معتقلةً في زنزانة بنفس حجم زنزانتها الفردية في الجوية (مترين طول، متر عرض) ولكن مع ثماني معتقلاتٍ أخرياتٍ.

تم تحويلها بعد ذلك مع خمس معتقلاتٍ إلى الأمن الجنائي، ذلك اليوم الذي لا يمكنها أن تنساه أبداً. فبينما كن ينزلن من السيارة متجهاتٍ إلى الفرع، وهن مقيداتٍ سمعت صوتاً يناديها من بعيد:

ـ ارفعي راسك لفوق، ارفعي راسك لا تنزليه إنت بطلة

إنه والدها لم تره منذ ثلاثة أشهرٍ، جاء ليقول لها ببساطة أنا هنا بجانبك لا تخافي. نظرت إليه وتابعت السير، كان ينتظر قريباً من الفرع. كلما اقتربت منه أكثر كانت ترى عينيه، وتسمع صوته بوضوحٍ أكثر. وصلت إلى مسافة قريبة جداً، رأته غارقاً بالدموع، وهو لاينفك يعيد الجملة ذاتها، همست للضابط الذي سألها عمن يكون هذا الشخص:

ـ خليني قرّب منه، هو ختيار ومريض ومافي حيل يعمل شي

ـ لاكان الجواب بإختصار.

خلال وجودهن في الأمن الجنائي تم عرضهن على القاضي. في ذلك اليوم دخلت ريم إلى الغرفة لتجد القاضي يتكلم مع ابنه على الهاتف ويسأله أي نوعٍ من الفطائر يفضل أن يحضر له. رفع رأسه، نظر إليها تابع حديثه مع ابنه، وبدأ التحقيق معها في ذات الوقت.

ـ اسمك ريم فاضل؟

ـ اي

ـ طالبة ماجستير؟

ـ اي

ـ إنت إرهابية؟

ـ لا

ـ طلعي

تلك كانت جلسة التحقيق التي تم توقيف ريم بعدها في السجن، ولأن السجن المركزي في حلب كان محاصراً من قبل الجيش الحر. أوقفت في الأمن الجنائي في غرفةٍ صغيرةٍ جداً مع أربعين امرأة مُجرّمات بجرائم مختلفة منها السرقة، والقتل، والحشيش، والدعارة الخ. في زاوية الغرفة فتحةٌ صغيرةٌ بالأرضية لقضاء الحاجة وصنبور للشرب والاستحمام، وطبعا بالمياه الباردة. المياه الباردة الشتوية التي كانت كالسياط على جسدها، لازالت كذلك حتى الآن. لازالت تبرد حتى اليوم، وحتى في منتصف الصيف لا تجد ما يدفئها.

يوماً بعد يوم كانت معاناتها تزداد بسبب نقص السكر وبدأ جسدها يضعف، حتى تمكنت والدتها من إقناع إدارة السجن بالسماح لها بإدخال بنطال للنوم (بيجامة) عندها قامت بفك مكان خياطة الخصر ووضعت فيها قطعة صغيرة من الشكولاتة ثم أعادت خياطتها. وبنفس الطريقة استطاعت إدخال الدواء لاحقاً.

أمضت في ذلك المكان ثمانية وخمسين يوماً كسجينةٍ، بينما كان والدها سجيناً أمام المحكمة هو الآخر. كل يوم يذهب إلى المحكمة من الثامنة صباحاً وحتى الثالثة ظهراً بهدف تقديم طلبات إخلاء سبيل لها. ومع كل طلبٍ كانوا يخبرونه بأنها ستخرج اليوم، فيذهب إلى البيت على الفور يرتدي طقماً رسمياً وكرافاتة ويقول لوالدتها: ” أنا رايح جيب ريمويعود لينتظر.

بتاريخ ١١/٢/٢٠١٤ وقبل عيد الحب بثلاثة أيام أفرج عنها مع الفتيات الأربع اللواتي كانت برفقتهن في الجوية. كان والدها بانتظارها حاملاً خمس ورداتٍ جورية برفقة الدكتور المشرف على رسالتها للماجستير، وبعضاً من أصدقائها كان قد دعاهم لاستقبالها. تقدم منها ومن صديقاتها وقدم وردةً لكل منهن قائلاً: “كل عام وإنتو الحرية“.

بعد خروجها بعامٍ وأربعة أشهر تمكنت أخيراً من الحصول على شهادة الماجستير بمساعدةٍ من دكتورها المشرف الذي تمكن من إلغاء قرار فصلها من الجامعة.

على الرغم من الوحدة والخوف اللذين عاشتهما في حلب بعد خروجها إلا أنها لم تكن ترغب بمغادرة المدينة، لكن اشتداد القصف، وسوء الأحوال المعيشية أجبرها على المغادرة مع والديها. كان من الصعب العبور إلى تركيا لأن الحدود أغلقت قبل قرارهم بوقتٍ قصيرٍ، فاضطروا لسلوك طريقٍ آخر عبر مناطق سيطرة النظام. رحلةً كانت محملة بالمفاجآت المؤلمة. في طرطوس وعلى حاجز الأمن العسكري تم إعتقال والدها وهو رجل يقارب التسعين عاماً يعاني من عدة أمراض جسدية.

جلست ريم ووالدتها في الطريق دون أن تعلما ماذا تفعلان، هل تكملان طريقهما أم تنظران؟ أخوتها المقيمين خارج سوريا نصحوها بأن تغادر خوفاً من فتح ملفها من جديد، وهو ما قد يضر بوالدها. على الحدود السورية اكتشفت أنها ممنوعةٌ من السفر، لكنها تمكنت من إزالة المنع بعد أن دفعت ما يقارب ٢٠٠ دولار. تابعت طريقها مع والدتها من لبنان إلى تركيا، حيث انتظرتا والدها الذي خرج، ولحق بهما بعد شهرٍ ونصف.

عملت ريم في تركيا كمحررة أخبارٍ لقناة أورينت في تركيا لمدة عامٍ، لتنتقل بعدها إلى فرنسا بحثاً عن حياةٍ جديدةٍ وذاكرةٍ جديدةٍ. ليس من السهل بالنسبة إليها اليوم أن تستوعب صدمة المكان، وتندمج بمجتمعٍ جديدٍ ولغةٍ جديدةٍ. فلمدة أربع سنواتٍ ونصفٍ كانت تعيش التعب والألم، وخدر الرعب الذي منعها من أن تتأمل نفسها. أما اليوم وبعد أن عاشت الحد الأقصى من ذلك الخدر تعود لتبدأ من جديد وتبحث عما تبقى في داخلها، عما تشوه وعما تصدع وانكسر.

(ينشر هذا النص بالتعاون مع ” حكاية ما انحكت”، وهو يأتي ضمن مشروع “حكواتيات .. قصص نساء سورية خارج الظل”)

(الصورة الرئيسية: منحوتة للفنانة علا الشيخ حيدر، وهي صمّمت خصيصا لهذه الحكاية)