مشاركة المرأة في بناء السلام حق ولكن مطلبي

جنيف- روشاك أحمد/شبكة الصحفيات السوريات

تضحية أو ضحية توصيفين بالكاد تحظى النساء السوريات على ثالث لهما للحديث عن واقع حالهن، وإن وثق السياق التاريخي مبادرات نسوية فردية أو جماعية لصنع الحدث السياسي والاجتماعي والمدني – بشكل خاص السنوات الخمس الأخيرة- فأول ما يسيطر على أسهم بورصة الأنباء هو ضعف التمثيل النسائي في مواقع صنع قرار. أما على صفحات التواصل الإجتماعي تعلو أصوات كثيرة مشككة بماهية دور هذه المبادرات بأن تكون إلا واجهة إعلامية لخدمة مصالح أو أجندات ما.

شبكة الصحفيات السوريات التقت مبادرة نساء سوريات من أجل السلام والديمقراطية، والتي تمثل نموذجاً محاطاً بالضبابية وإشكالية المعلومات المتداولة حوله، هذا وبشكل أكثر كثافة تعرضت المبادرة مؤخراً لإنتقادات حول سبب وجودها في المدينة السويسرية جنيف في وقت تزامن مع بدأ جولة المفاوضات الأولى لجنيف ٣ – التي عقدت نهاية كانون الثاني ٢٠١٦، ما دعى البعض إلى ربط ذلك بالمشاركة في مفاوضات السلام، فمن جهة تتراوح التساؤلات حول استراتيجيات العمل وأحقية مشاركة تنظيمات نسوية مستقلة عن طرفي النظام كما المعارضة في العملية السياسية أي ما يسمى بطرف ثالث، ومن جهة ثانية تصب الأحكام في خانة تبعية المبادرة لقرارات وإرادة الأمم المتحدة دون جهد وقيادة سورية.

خلال لقائنا نساء المبادرة أكدن أنهن لم يتواجدن في جنيف كطرف مفاوض إنما عقدت المبادرة حينها طاولتها المستديرة. لكن واقع الحال يشير إلى أن هذا التزامن والربط لم يكن من باب الصدفة المحضة، حيث كانت المبادرة قد شكلت في اجتماع سابق لها مجموعات عمل إستجابة لطرح المبعوث الخاص للأمم المتحدة لسورية ستيفان دي مستورا حول إشراك الخبرات السورية في العمل المدني والنسوي في المفاوضات.

وجود النساء في قاعة التفاوض كمراقبات بالحد الادنى

نوال يازجي عضوة مؤسسة في المبادرة أشارت  في حديث لشبكة الصحفيات السوريات عن تشكيل أربع لجان أثناء اجتماع الهيئة العامة للمبادرة في وقت يسبق مؤتمر فيينا وصدور القرار٢٢٥٤، مهمتها وضع أوراق عمل تنسجم مع قيم ومبادئ المبادرة ليتم تحضيرها وتقديمها في الوقت المناسب في حال البدء بعملية التفاوض.

كل لجنة تعمل على موضوع من: الحماية للجميع، الأمن والإرهاب، اللجنة السياسية والقانونية، إعادة الإعمار والتنمية. ليأتي بعدها طلب دي مستورا بترشيح عضوات من المبادرة، التي قامت بدورها بترشيح أربع نساء تمثل كل منهن لجنة من اللجان، وأربع عضوات احتياط.

تضيف يازجي: كان من المقرر حسب اجتماعنا الأخير عقد طاولة مستديرة في بيروت لإتمام العمل وإنجاز الأوراق كاملاً، بحيث تضم الزميلات في المبادرة، وخبرات – محلية بغالبيتها – إلى جانب لجنة المتابعة والمؤلفة من غير عضوات المبادرة. لكن وبعد عقد مؤتمر فيينا وصدور القرار ٢٢٥٤ والحديث عن موعد عقد جنيف ٣ في نفس الفترة الزمنية للاجتماع، قمنا بنقل الورشة إلى جنيف وتحملت “هيفوس” الجهة الممولة للورشة النفقات الإضافية وعملية الحصول على تأشيرات السفر.

في المرحلة الحالية قد يكون دورنا غير مباشر لكننا نطالب بوجودنا كنساء ضمن قاعة التفاوض كمراقب بالحد الأدنى. نتمنى المشاركة كجسم إستشاري لكننا في انتظار إعلان ما من الأمم المتحدة لتوضيح شكل المشاركة، التي إن حدثت ستكون سابقة في تاريخ حل النزاعات، وقد يمثل نموذج جديد لمشاركة النساء.

٢٥ سيدة من المبادرة عملت من جنيف على بناء أسس الإنتشار والتشبيك والتواصل، بناء المعرفة والعمل على الأرض، رفض طرح الملف الانساني على طاولة التفاوض، كما نادت بفصل الملف الإنساني عن السياسي ووقف إطلاق النار.

قامت نساء المبادرة خلال الثلاث سنوات الماضية بعشرات اللقاءات خلال أكثر من ٥ جولات ضغط على المجتمع العربي والإقليمي والدولي مع أصحاب القرار المعنيين، وحسب تعبير يازجي: “من الروس حتى الأمريكيين وما بينهما”، لطرح أساسي يتمثل في ٣ قضايا: الحل السياسي هو الحل الوحيد، المفاوضات بين الأطراف جميعاً وأهميتها وضرورة التسريع فيها، والقضية الثالثة والتي تشكلت المبادرة على أساسها تتمحور حول المشاركة الفاعلة للنساء في صنع السلام بدءاً من بداية عملية المفاوضات السياسية٬ انتهاء إلى تشكيل الهيئات لاحقاً، وصولاً إلى حق النساء بنسبة لا تقل عن ٣٠٪ في مواقع صنع القرار لضمان وصول صوت النساء في بناء ووضع بصمة لرسم معالم سورية المستقبل. ذلك استناداً على مطالبة الأمم المتحدة الإيفاء بالتزاماتها في القرار ١٣٢٥.

حزب المتضررين يستعيد الحياة في سورية

“أول ما يتم المقايضة عليه هو حقوق النساء، لذا وجود النساء هنا هو جدار الحماية لحقوقهن والمكتسبات السابقة إلى جانب ما يمكن الحصول عليه مستقبلاً” حسب ماجدولين حسن، ناشطة حقوقية، تعمل على ملفات حقوق الانسان، من مبادرة نساء من أجل السلام والديمقراطية.

تدعو حسن إلى بناء “حزب المتضررين” من الحرب نساء ورجال ” بناء هذه القاعدة الجماهيرية التي تشكل النساء غالبيتها قادر على استعادة الحياة في سورية بشرط تحقق إمكانية عودة المهجرين/ات واللاجئين/ات والنازحين/ات، لتكون أول خطوة تجاه إعادة الإعمار والتي من صلب أهدافنا إدماج النساء في تحقيقها”.

تتألف المبادرة  من ٥٥ عضوة، من مختلف المعتقدات، الأفكار والإتجاهات السياسية، ومن أقصى اليمين الى أقصى اليسار، تقول يازجي” ربما لم نحقق بعد التوازن المطلوب، فنسبة المؤيدات للنظام مازالت الأقل”.

إحدى السيدات اليمينيات ضمن المبادرة والتي طلبت عدم التصريح عن اسمها، نشطت في المناطق المحررة ضمن صفوف الثورة في بدايتها، تعتبر أن أولويات عمل المبادرة تدور حول ما ينادي به الشارع السوري، إلا أن الانتشار في الداخل مازال محصوراً بعض الشيء ضمن بيئة وشبكة علاقات كل عضوة. ” أنا أنتمي للون مختلف لربما عن غالب نساء المبادرة لكننا في كل خطوة نخطي بها نلتزم بتمثيل جميع الأصوات على إختلافها رغم قلتها، نحن مختلفات بشكل واضح بالتوجهات أيضاً، لكننا لا نعمل على أرضية تشابه اللون، إنما على أرضية التوافق على أهداف والإلتزام ببرنامج عمل مشترك.لا نعلم متى ستبدأ المفاوضات بشكل عملي وفاعل لكننا نعلم ضمن المبادرة أننا نتفاوض من أكثر من عامين مع بعض ومستمرين”.

لسنا بحاجة إلى شعارات كبيرة غير قادرة على بناء وطن

المبادرة مستقلة عن كل جسم سياسي وإن كانت العضوة تنتمي بشكل شخصي إلى أحد الأطراف، ضمن هذا السياق تؤكد أميرة حويجة، عضوة في المبادرة، وعضوة سابقة في حزب العمل الشيوعي، ومعتقلة سياسية سابقة “الوجود ضمن جسد تنظيمي ما له أولوياته، والأوليات تتغير حسب الظرف، هذا الطرح لا يلغي العدالة الإنتقالية والمحاسبة لاحقاً. كما لا يفترض على المرء التخلي عن هويته السياسية وانتمائه لكن اللحظة الحرجة جمعت المجتمع الدولي والإقليمي والنظام والمعارضة للوصول إلى مفاوضات ومباحثات على آمل تحقيقها بنجاح”.

تضيف حويجة ” لست من أنصار تمييع كل شي فلكل منا بالنهاية هويته وخياراته، لكن لسنا بحاجة إلى شعارات كبيرة غير قادرة على بناء وطن، كما لم تعد جذابة”.  

لربما كانت الشعارات المطروحة قادرة في أوقات السلم على إحداث تغيير إيجابي في المجتمع لكن في المرحلة الحالية مصطلح موالاة ومعارضة لم يعد حتى مقنعاً، فالمعارضة لم تثبت جدارتها بقدرتها على القيادة بالاتجاه المفترض أو المطروح، ولا النظام حافظ على البلد.

الإنتماء الذي نحتاجه اليوم هو الإنتماء إلى سورية والتواصل بلغة مشتركة وصوت واحد.أعتقد أن أكثر من ٩٠ ٪‏ من السوريين/ات مهتم بالدرجة الأولى بإيقاف الحرب، ذلك بغض النظر عن تجار الحرب والمقاتلين الأجانب، على حد تعبير حويجة.

ما تقوم بعمله نساء منظمات المجتمع المدني يتعرض لمحاولة “ضبضبته” وتعتيمه، فلم تحقق يوماً النساء حضورها في شتى أصقاع العالم بمنحة، إنما كان الإنجاز دائماً مقترن بعشرات السنوات من النضال.

رغم الغموض السائد حتى الآن في سير عملية السلام، إلا أن نساء السلام تتوقع نتائج إيجابية كبيرة وأمل جديد بوجود أفق حقيقية لمشاركة النساء في العملية الجارية، كما تعتبر إلتزام الأمم المتحدة بالقرار ١٣٢٥ يعد “حق مطلبي” وقرار دي مستورا جاء إستجابة لعملهن ولهن، وليس قراراً فوقياً. وهو نتيجة جهود وجولات ضغط وأوراق عمل قدمتها المبادرة  على مدى سنوات.

و كان مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا  ستيفان دي ميستورا، قام بتشكيل “مجلس استشاري نسائي” مستقل يتبع له مباشرة، للاستفادة من المساهمة المجدية للنساء السوريات في المحادثات واستجابة لدعوة العديد منهن، وبموجب التوجيهات التي قدمها قرار مجلس الأمن 2254.