إجازة رعاية الأطفال حق للأم العاملة وللأب أيضاً

علا الجاري

يأتي حق رعاية الأطفال على قائمة المواضيع التي تشغل بال الآباء والأمهات العاملين، خاصة إجازة الأمومة والمطالبة بإجازة مماثلة مدفوعة الأجر للأب، ليساعد زوجته في العناية بالمولود ويحظى بالفرصة ليكون قريباً من طفله في الساعات الأولى من حياته.

تقول المحامية السورية “رهادة عبدوش” إنّ التسمية الصحيحة لمثل هذه الإجازة “الإجازة الوالدية” وليس الأمومة أو الأبوة، وتضيف: “قانونياً يمكن اعتبار مثل هذه الإجازة وهي حق للطفل أولاً، إذ من المهم أن يعطى الأب وقتاً مع الأم لاستقبال الطفل وتهيئة جو مريح لكليهما، والمشاركة الكاملة من الطرفين وليس مجرد المساعدة”، واستدركت: “ربما الأسبق هو توعية الرجال والنساء لدورهم قبل الإنجاب، لنتأكد إذا ما كان الرجل سيأخذ الإجازة ليشارك المرأة فعلاً، أم أنه سيشكل عبئاً إضافياً عليها”.

بدورها ترى المعالجة النفسية المتخصصة بعلم النفس العيادي، اللبنانية “آية مهنا”، أنّ البلدان التي تمنح الرجال إجازة “أبوة” هي بلدان تحترم حقوق الإنسان، وتعتبر أنّ تحقق مثل هذا الشرط هام جداً، ليتمكن الأم والأب معاً من أن يعيشا تجربة اكتشاف الطفل والتعرف إليه، وقالت: “قد تختلف المدة من ثلاثة أيام حتى شهر حسب قدرة الرجل على أن يكون حاضراً لأجل زوجته وطفله، والحالة المثالية تقتضي أن توفر للأب التعويضات التي تتيح له مثل هذه الإجازة”.

“سلام الحناوي” أم لطفلة تبلغ سنتين وبضعة أشهر، تعمل لدى شركة إماراتية في مجال التدقيق المحاسبي والاستشارات، تعتبر أنّ هذه الإجازة حق للأب قبل كل شيء: “من حق الرجل أن يستمتع بهذه الأوقات وخصوصيتها، ومشاركته ستنعكس إيجاباً على علاقته بالطفل والعائلة”.

وتتابع “الحناوي” حول تجربتها كأم عاملة: “في الحقيقة الإمارات تمنح الأب إجازة مدفوعة مدتها ثلاثة أيام، لكن المشكلة الحقيقية هي إجازة الأمومة نفسها، التي لا تتجاوز 45 يوماً في الشركات الخاصة، يستثنى من ذلك بعض الشركات المصنفة على أنها global companies (شركات عالمية)، لأنهم مجبرون على التقيد بمعايير دولية محددة بينها إجازة الأمومة، وتصل حتى 10 أسابيع مدفوعة الراتب، وحتى 10 أشهر بدون راتب مع الحفاظ على الوظيفة والموقع الوظيفي، حيث لا يمكنهم استبدال الموظفة أو تخفيض موقعها، إلى جانب ساعات العمل المريحة وإمكانية تخفيضها مع تخفيض الراتب بنسب معينة، وذلك بالاتفاق مع المدير المباشر وإدارة الموارد البشرية”.

وتضيف: “بالطبع هذا الكلام نظري، عملياً هناك كثير من العوائق تتعلق أولاً بالأشخاص الذين يعملون مع المرأة، وعلى دعم الأشخاص الأعلى في الوظيفة”.

وختمت “الحناوي”: “هناك تفصيل إضافي أؤمن به وبضرورته، الله أعطى الأم هرمونات تجعلها تحس بمولودها مباشرة بعد الولادة، وتبدأ الصلات العاطفية بينهما منذ اللحظة الأولى، في حين لم يمنح الأب نفس الهرمونات ولا بد له من المشاركة بكل التفاصيل، ما يحفز عاطفته ويساعد على بداية علاقة صحية بين الأب والطفل، وهذا أهم بكثير من مساعدة الزوجة”.

“عبير عامر” خريجة كلية فنون جميلة، تعيش مع زوجها وطفلتها في السعودية، تقول: “السعودية لا تمنح الأب إجازة عند ولادة أطفاله، وهذا لا يعطي الرجل فرصة للاستراحة، ربما يحتاجها أقل من الأم لكنه فعلاً بحاجة إليها، ليتخفف من الضغط النفسي والإرهاق الناجم عن التجربة كلها”، وتضيف: “مررت بتجربة ولادة صعبة وتعرضت مع طفلتي للخطر، زوجي كان خائفاً علينا ومتوتراً وعصبياً لأبعد حد جراء خوفه علينا، ولم يصدق أننا نجونا وكلتانا بخير، بالتأكيد لن يتمكن من الذهاب في اليوم التالي إلى عمله بعد يوم كهذا”.

من جانب آخر تتساءل “إيمان كمال الدين”: “الفكرة بحد ذاتها جيدة، لكن هل تضمن الإجازة وحدها أن يشارك الرجل في أعباء العناية بالمولود، أم أنه سيظل في المنزل ليشكل مزيداً من الأعباء على زوجته؟”.

كذلك ترى “لانا” وهي سورية تعيش في ألمانيا، أن الدول الأوروبية لديها مثل هذه القوانين نتيجة ضعف العلاقات الاجتماعية والروابط الأسرية، وتقول: “عندنا تجتمع العائلة كلها حول المرأة، أهلها وأهل زوجها، ليساعدوا في كل شيء، ربما تكفي إجازة ثلاثة أيام للرجل حتى ينهي الإجراءات المتعلقة بإخراج زوجته من المستشفى وتسجيل الطفل لدى الدولة”.

إلاّ أن الكاتب السوري والأب لطفلين “طارق عزيزة”، يؤكد على أهمية إجازة الأب بالتزامن مع إجازة الأم، ويقول: “في هذه الإجازة وقت هام لتكريس التشاركية والتعاون بين الزوجين، وهذا ينعكس بشكل إيجابي عليهما وعلى أطفالهما، لا بد من العمل على إقرار قانون كهذا”.

ويتفق مع “طارق” كل من “مجيد محمد وكادار شيخ موس ومحمد نجم الدين”، الذين عبروا عن دعمهم لإقرار مثل هذا القانون، وأهمية وجود الرجل إلى جانب زوجته وطفله خاصة في الأيام الأولى.

يذكر أن السويد كانت أول دولة تستبدل إجازة الأمومة بإجازة رعاية الوالدين للطفل عام 1974، ويحصل الآباء والأمهات في إجازة رعاية الطفل على راتب كامل تقريباً، لمدة عام قبل العودة إلى وظائفهم المضمونة، ولا تستخدم الجهات الحكومية في معظم الدول الأوروبية مصطلح “إجازة الأمومة”، لأن فيها ما يوحي أن الهدف منها هو الترفيه والاستجمام.

وتختلف مدة إجازة رعاية الطفل من دولة إلى أخرى، إلاّ أن دول الاتحاد الأوروبي أقرت اتفاقاً على ألاّ تقل الفترة منذ مرحلة قبل الولادة وبعدها، عن 20 أسبوعاً مدفوعة الأجر، إضافة إلى ساعات العمل المريحة واستراحات الإرضاع اليومية.

ومن الدول العربية التي تعطي الرجل إجازة عند ولادة أطفاله الأردن والإمارات، مدة ثلاثة أيام، في حين تعطي تركيا الرجل خمسة أيام، وذلك وفق قانون صادر في آذارالماضي.