سوريا: مِنْ بلد الإعلام الموجّه؛ إلى فضاء الصحافة المعارضة

 

كمال شيخو (شبكة الصحفيات السوريات)

“سوريا” بلد الإعلام الموّجه بامتياز لعقود مضت، الدولة والنظام وأجهزة المخابرات سيطروا على كلّ وسائل الإعلام، المقروءة منها والمسموعة والمرئية، هذه الحالة تغيّرت بعد العام 2011، حيث ظهرت العديد من الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية الخاصة المعارضة وتغيّر المشهد الإعلامي.

فمنذ انطلاقة أولى التظاهرات المعارضة لنظام الحكم، في أواسط شهر آذار/مارس سنة 2011، ومع زيادة عدد نقاط الاحتجاج، اصطدمت هذه الحركة بتعتيم إعلامي من قبل وسائل الإعلام الحكومية، متعمّدة تشويه مطالب الانتفاضة الشعبية التي عمّت أرجاء البلاد، الأمر الذي دفع ناشطات وناشطين إلى تأسيس صفحات إخبارية عبر منصات التواصل الاجتماعي، تحوّلت فيما بعد إلى وكالات إخبارية، وأسّست صحفاً ومجلات وإذاعات وقنوات تلفزيونية.

فمنشورات هذه الصفحات؛ انتشرت كالنار في الهشيم لدى أبرز الجهات الإعلامية العربية والغربية، ونقلت الآلاف من الصور ومقاطع الفيديو، إذ لعبَ الإعلام المعارض إنْ صح التعبير، الدور الأبرز في نقل فعاليات الحراك السلمي وحركته الاحتجاجية.

أولى هذه الصفحات الاجتماعية: صفحة “الثورة السورية ضد بشار الأسد” والتي تأسّست في 18 كانون ثاني/يناير 2011، على موقع الفيسبوك حيث أطلقها مجموعة من الناشطين والناشطات السوريات، ودعت الصفحة إلى أول تظاهرة بتاريخ 15 آذار/مارس 2011، والتي عرفت فيما بعد بمظاهرة سوق الحميدية بالعاصمة دمشق، وكانت تختار هذه الصفحة أيام الجمع وتنشر نقاط التظاهر في جميع سوريا.

بعدها تأسّست صفحة “الشعب السوري ما بينذل“، على موقع الفيسبوك، عقب تظاهرة الحميدية مباشرةً، إلا أنّ هذه الصفحة لم تدم طويلاً واستمرت لنهاية العام 2011.

وانتشرت صفحة “لجان التنسيق المحلية“، في غالبية المدن والبلدات المعارضة، وأطلق ناشطوها المئات من الصفحات لكلّ منطقة ومدينة باسمها، ثم تأسّست صفحة “الهيئة العامة للثورة السورية“، وهي الأخرى انتشرت في معظم المدن السورية المناهضة للنظام.

ومع انتشار الصفحات الإخبارية عبر وسائل التواصل الاجتماعية، بدأت تظهر شبكات إخبارية، لديها مراسلون ومراسلات يغطّون معظم الأحداث، من بين هذه الشبكات “طل للأنباء” والتي بدأت عملها في بداية شهر نيسان/ إبريل عام 2011، لكنّها توقفت عن العمل بعد مرور نحو عام، ثم تأسّست شبكة شام الإخبارية في 6 تموز/يوليو سنة 2011، وغطّت غالبية المناطق السورية، وتحوّلت إلى مؤسسة إعلامية تنقل الأخبار الميدانية الساخنة.

أولى الوسائل الإعلامية المطبوعة كانت جريدة عنب بلدي تحت شعار “من كرم الثورة”، والتي أسّسها مجموعة من الناشطين/ات الصحفيين/ات من مدينة داريا بريف دمشق، من بينهم الصحفي نبيل شربجي وأحمد شحادة والإعلامي محمد أبو النور، والثلاثة فقدوا حياتهم. إذ توفي نبيل تحت التعذيب في سجن صيدنايا العسكري، وأحمد ومحمد لقوا حتفهما جرّاء المعارك الدائرة وهما يزاولان عملهم في بلدتيهما داريا جنوب دمشق.

وأصدر العدد صفر من المجلة بتاريخ 29 كانون الثاني/يناير 2012، وباتت تصدر صباح كلّ يوم أحد وتوّزع أكثر من 7000 نسخة من كل إصدار، في الشمال السوري وعلى اللاجئين السوريين في المخيمات وفي عدد من المدن التركية الرئيسية.

وبعد مرور نحو عام من انطلاقة الانتفاضة الشعبية في سوريا، انطلقت مجلة طلعنا عالحرية من رحم لجان التنسيق المحلية، وصدر العدد صفر بتاريخ 26 / 2 / 2012. وكانت من مؤسسي المجلة المحامية الحقوقية رزان زيتونة، والتي اختطفت في مدينة دوما بغوطة دمشق الشرقية نهاية العام 2013، والصحفية ليلى الصفدي والناشط اللاعنفي أسامة نصار، بالتعاون مع نخبة من كوادر لجان التنسيق المحلية، الذين كانوا يتولون الطباعة في مدنهم وبلداتهم.

وعن بدايات تأسيس المجلة، تحدّثت ليلى الصفدي، وقالت: “ولدت الفكرة في غرف السكايب التابعة للجان التنسيق، وتبلورت كي تكون المجلة منصّة للفكر الديموقراطي والتحرّري، ومنبراً للحوار العقلاني وتبادل الآراء في زحمة الأخبار العاجلة ووكالات الأنباء التي كانت تتابع الحدث لحظة بلحظة”.

ومنذ بداية العام 2014، استقلّت المجلة عن لجان التنسيق وبدأت تطبع بشكل مهني وبنسخ ملونة وتوّزع في الشمال السوري، ولاحقاً في مدن تركية، إضافة إلى المخيمات وتجمّعات اللاجئين السوريين في تركيا.

وبعد نشر المجلة مقال “يا بابا شيلني” للكاتب شوكت غرز الدين في العدد 86 بشهر اذار/مارس من العام الجاري، قررت إدارة المجلة إيقاف نشاطها في الداخل السوري، وإيقاف التوزيع الورقي، واستقالت ليلى الصفدي من منصبها كرئيسة التحرير، وأسامة نصار من معاون رئيس التحرير.

وتلخص الصفدي أبرز التحديات التي واجهت عمل المجلة واستمراريتها: “بسعيها الصعب للحفاظ على هوية المجلة الفكرية وحلمها المشاكس بالدولة المدنية الديموقراطية وتوجهها التحرّري المستقل ضمن المواجهة المباشرة مع أمن النظام من جهة، ومع القوى والفصائل الإسلامية المسيطرة على المناطق السورية المختلفة من جهة أخرى”، وتضيف أنّ المجلة “مطبوعة وتوزع للناس في الداخل وكانت تعاني من رقابات متفاوتة، وقد صودرت عدّة مرات على الحواجز بل وأحرقت آلاف النسخ منها على أيدي القوى الدينية المتشددة”.

ومنذ العام 2014، ظهرت الكثير من الوسائل الإعلامية المعارضة، منها صحف ومجلات ودوريات مطبوعة، وإذاعات تبث عبر أثير موجات (FM) وخدمة الإنترنت، بالإضافة إلى قنوات تلفزيونية.

ومن هذه الوسائل على سبيل الذكر لا الحصر، إذاعة روزنة، والتي بدأت في صيف العام 2013، وإذاعة آرتا إف إم وراديو ألوان ووطن وسوريالي وليوان، وأغلقت إذاعة صوت راية بسبب توقف التمويل.

وبدأت صحيفة تمدن بالتوزيع والنشر منذ بداية العام 2014، وفي حديث لحكاية ما انحكت، يقول سكرتير التحرير، دياب سرية: “انطلقنا من رحم الثورة، منحازون لها، ولكنْ بموضوعية ومهنية، نحاول نقل الحقيقة كما هي دون أن نزيد عليها أو نحرّفها”.

وأضاف سرية: “نسعى لأن نكون البديل الحقيقي عن إعلام النظام، الذي هتفت الجماهير السورية له خلال المظاهرات بأنه كاذب. كما نحاول مواجهة إعلام الجماعات التكفيرية، التي أعادت البلاد إلى العصور الوسطى”.

ومن بين الدوريات المطبوعة، صحيفة صدى الشام، وكُلنا سوريون وسوريتنا ومجلة سيدة سوريا، ومجلة صور، والأخيرة تأسست في 15 اب/أغسطس سنة 2013.

وقد تحدث رئيس تحرير صور، كمال اوسكان، إنّه: “بعد رصد الواقع الإعلامي في سوريا تبيّن لدينا وجود فراغ في مجال التحقيقات المعمّقة، وأنّ معظم الجهات الإعلامية البديلة خبرية لدرجة ما”، مشيراً “حيث تركز على أخبار الجبهات العسكرية دون التمكن من رصد انعكاسات الحرب السورية على حياة المدنيين والتغيّرات التي حدثت في معظم قطاعات الحياة كالتعليم والصحة والاقتصاد”.

ومجلة صور تصدر شهرياً ويتابع اوسكان حديثه: “المدة ساعدتنا في التركيز على مواد نوعية ومهنية، لمعاجلة القضايا والظواهر ذات الطابع المستدام”.

كما تأسّست وكالات إخبارية خاصة، منها وكالة سمارت وقاسيون، وأنا بريس. ووصل عدد الجهات الإعلامية المعارضة في سنة 2014 إلى 370 وسيلة، لكن غالبيتها توّقف عن العمل أما بسبب توقف التمويل، أو لخلافات داخلية نتيجة الفساد الإداري والمالي.

وعلى الرغم من النكبات والانتكاسات التي يعايشها السوريون يومياً في بلد مزقتها الحرب منذ ستّ سنواتٍ عجاف، طالت نيرانها غالبية المناطق والمدن والبلدات المعارضة، وربما بسبب هذه النكبات، يبرز دور الإعلام المعارض في أخذ المبادرة للعمل على عدم نسيان آلام المهجرين وضحايا الحرب بعد أن تنتهي سخونة الحدث الميداني والسياسي، وذلك عبر القصص الإنسانية ونقل معاناتهم وتسليط الضوء على الحالة العامة للسوريون.

تنشر هذه المادة ضمن حملة اليوم العالمي لحرية الصحافة 2017 ، بالتعاون مع حكاية ما انحكت.

( الصورة الرئيسية: توزيع العدد الثامن من جريدة عنب بلدي في ريف حلف بتاريخ 14/9/2013. المصدرالصفحة الرسمية لعنب بلدي على الفيسبوك، والصورة تستخدم بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة للصحيفة).