التعليم الآمن دون تمييز

   رهادة عبدوش

ما بين أهداف التعليم في اتفاقية حقوق الطفل وأهدافه  في منظومة وزارة التربية لن نأت بجديد إن قلنا أن هدف التعليم في سورية هو بناء القيم الوطنية وهذا ما لفت اليه وزير التربية في سورية مراراً عندما دعى إلى “ضرورة إكساب المتعلّمين منظومة القيم الوطنية والقانونية والأخلاقية في المواد الحاملة لهذه المفاهيم والحرص على تفعيل المتابعة الميدانية ” وأيضاً ” إعداد مواطن متكامل الشخصية فكرياً وروحياً وجسدياً ومؤمن بإمكاناته       وقدراته ومعتز بهويته الوطنية والقومية ويفكر بإنتاجية المبادرة لإيجاد الحلول  للمشكلات الحياتية وكان التركيز على طريقة الإعداد من خلال مناهج جديدة تعتمد على الأجهزة الحديثة، الكمبيوتر، المخابر، ورشات العمل، الرحلات العلمية..الخ

لتعمّ الفائدة بين أرجاء الوطن الذي لم يبدأ حتى بتغيير أساس التعليم وهو البناء المدرسي شكله الخارجي والصفوف والباحات و أماكن اللعب و قاعات الموسيقا والرياضة وكل ما يساعد ذلك المعلّم-ة المندهش-ة من هذه المناهج التعليمية الجديدة الغير قابلة للتطبيق، ولو استطاع-ت  فهمها، فالطلاب بأعداد كبيرة، والوسائل ضعيفة، والبيوت والأسر غير قادرة على تلبية أدنى متطلبات الحركة التعليمية الحلم، فأين هي الموارد المالية التي ستساعد الأهل على دعم أطفالهم وأين هي الأجور التي تعطي للمعلم-ة الدافع للعمل دون التفكير بكيف سيكمل شهره، لتفشل تلك الخطط التي جلبت من مكان لتطبّق في مكان لا أرضية له وتنعكس الخطّة التعليمية من المناهج الجديدة إلى خطّة لتمشية الحال!! ليعجز حتى عن بلوغ الأولوية الأساسية في التعليم السوري وهي المجانية والإلزامية، أما بحسب اتفاقية حقوق الطفل فلم يعد التعليم فقط الحق بالوصول إلى التعليم الابتدائي المجاني والإلزامي فقد توسّع ليصل إلى التعليم النوعي دون تمييز، و تطوير استراتيجية التعليم القائمة على الحقوق وتحسين نوعية التعليم، فقد انفردت مادّة خاصة تتحدث عن أهداف التعليم وهي تزويد الطفل بالمهارات الحياتية وتعزيز قدرته على التمتع بحقوق الإنسان كافة ونشر ثقافة حقوق الإنسان وإرساء مبادئ التسامح والمساواة وتنمية احترام والدي الطفل وهوية الطفل الثقافية ولغته وقيمه الخاصة والقيم الوطنية للبلد الذي يعيش فيه والذي نشأ فيه بالأصل وتنمية قدراته ومواهبه، وهنا كان على الدولة التي صادقت على الاتفاقية أن تقوم بإصلاح المناهج الدراسية بحيث تشدد على أهمية التفكير الناقد وتطوير مهارات حل المشاكل، وأن يترافق التعليم مع اللعب وتطوير أدوات المحاكمة العقلية بعيداً عن أساليب البصم والحفظ، والأسئلة والأجوبة في الامتحانات، مع تخصيص أوقات لدروس الموسيقا والرياضة والرسم كحصص أساسي وليس من ضمن اللعب أو أوقات الفراغ وليس التشديد على بناء شخصية وطنية معدّة إعداداً جيداً وكأن شخصية الطفل عجينة يجب اللعب فيها كما يشاء، فالطفل إنسان يحتاج للمجالات الواسعة المفتوحة لا إلى القوالب الجاهزة والمبتورة.

وما شددت عليه الاتفاقية أنها وضعت أنظمة خاصة بعدم التمييز ، فالموضوع يتعلق بالطفل والطفلة ووصول التعليم إلى كل منهما بشكل متساوي، والسعي لذلك من خلال محاربة التسرب المدرسي، ومحاربة عمل الأطفال، وزواج الأطفال-ات بالسعي لتغيير القوانين التي تسمح بذلك والتشديد على القوانين التي تحمي الأطفال من خلال متابعة تطبيقها بشكل ميداني في كل الأرياف والممدن، ويتعلق عدم التمييز بتزويد أطفال السكان الأصليين والأقليات بفرص متساوية للتعليم الجيد الذي يحترم الأنماط الثقافية ويتخذ اللغات المحلية، ومراجعة المناهج المدرسية لتطوير الإحترام بين الأطفال للهوية الثقافية للشعوب الأصلية، وأن يفسح لكل طفل الحق في المجاهرة بدينة وممارسة شعائره بحرية وعدم الاقتصار على الاعتراف بديانات معينة رسمية لأن هذا تمييز ضد باقي المعتقدات.

ويجب تمكين الطفل من استعمال لغته وأن تضمن للأطفال النازحين واللاجئين فرصة كاملة بالتعليم وتسجيل جميع الأطفال بالمدارس وأن تكفل لجميع الأطفال مهما كانت درجة إعاقتهم الوصول إلى حقهم في التعليم مع تطوير مناهج دراسية خاصة بهم مترافق مع الخدمات الميسّرة لهم كالطرقات وأماكن اللعب والحمامات والمقاعد الدراسيّة، وأن تعمل الدولة على وصول الأطفال المحتجزين إلى البرامج التعليمية والمهنية الملائمة.

أما في سورية فكان التعليم الإلزامي بالحقيقة غير مطبّق فالقانون عبارة عن نصّ جامد غير قابل للتطبيق في ظل الرشاوى و الواسطات والمحسوبيات وغضّ النظر عن فئات وعشائر وأرياف بأكملها،وفي ظل قوانين تسمح بتزويج الأطفال ولا تشدد على عقوبة الزواج خارج المحكمة، مما يعني الزواج المبكّر وكل ما يتبعه من انتهاكات لحقوق الطفل، وكذلك الحال بالنسبة لعمل الأطفال ففي قانون العمل تشريع يتعلق بسن معيّن للعمل لكن كانت المراقبة ضعيفة في ظل السوق الأسود وورشات العمل الغير مرخّصة والعمال الغير مسجّلين في التأمينات الاجتماعية وفي ظل الفقر الذي كان يصل إلى درجات تصل إلى تحت معدّلات الفقر الدنيا في بعض المجتمعات في سورية.

وفيما يتعلق بأطفال الأقليات الدينية والثقافية أوالسكان الأصليين  فكانت اللغة الرسمية في المناهج الدراسية هي اللغة العربية ولا يمكن التدريس إلا بها مع اللغات الأجنبية المعتمدة في المناهج كالانكليزية والفرنسية وحالياً الروسية، فلا مكان للّغة السريانية أو الكردية في مناهج أطفالنا ولا مكان لتدريس علم الديانات والأخلاق بل فقط تدريس الديانة بحسب ديانة الشخص، دون السعي لإيجاد مناهج تعليمية تتعلق بالأخلاق العامة والديانات العامة للجميع دون تفرقة، أما بالنسبة للأطفال المعاقين فكانت محاولات خجولة للدمج بين الأطفال في المدارس لم تنجح بسبب النقص الكبير في الكوادر التعليمية والوسائل وعدم تهيئة المدارس في الباحات والصفوف لاستقبال الطفل المعاق-ة.

لتبدو أهداف التعليم غير محققة لا بالنسبة للاتفاقية ولا بالنسبة للخطط التي وضعتها التربية في سورية، فالفساد كان هو الطاغي والقوانين الجامدة الغير قابلة للتطبيق والتقاعس عن تشريع بعض القوانين أسباباً أساسية مع الحرب القائمة حالياً في تراجع التعليم في سورية ليبدو غير آمناً وغير محققاً لهدفي المساواة  والنوعية الجيدة التي يستحقها الطفل-ة

بعدسة المصور الايطالي Alessio Mamo