التحرش الجنسي ضد اللاجئات السوريات في لبنان

بيروت-أنس وبي

لا شيء يكسر صمت المكان، إلا صوت مكنة العجين وبعض التمتمات الصباحية بين عمال المخبز. تلملم سعاد أرغفة الخبز في أكياس، لتصبح جاهزة للبيع لصاحب النصيب كما يقال. تقول سعاد ذات الثلاثة والعشرون عاما أنها مرتاحة بعملها الحالي في فرن يقدم الخبز وبعض أنواع المعجنات في مدينة صيدا اللبنانية، وان صاحب الفرن (الحاج أحمد) رجل طيب، ويعامل الموظفات بشكل جيد ومحترم.

وتتابع القول، أنه ربما باتت أخلاق رب العمل من أهم الجوانب التي يركز عليها عدد غير قليل من اللاجئات السوريات اللواتي يبحثن عن عمل في لبنان، فقد يتعرضن لاستغلال أو تحرش جنسي اثناء العمل، وهذا ما حدث مع سعاد التي تعرضت سابقا لحادثي تحرش منذ قدومها من ريف دمشق الى لبنان من حوالي سنتين.

وقعت الحادثة الأولى عندما كانت تعمل في محل لبيع الألبسة في احدى ضواحي بيروت، وذلك قبل أن تنتقل برفقة أمها الى مدينة صيدا توفيرا لنفقات المعيشة، فمنذ الأيام الأولى في العمل بدأ صاحب المحل بتلميحات غير مريحة، تطورت لاحقا الى تحرش لفظي، الأمر الذي شكل لها احراج وضغط نفسي في آن معا، فهي بحاجة ماسة للعمل وبنفس الوقت تخاف أن تتطور الأمور الى أبعد من ذلك، وبالفعل وصلت الأمور لحد أن دعاها صاحب المحل الى عشاء في منزله، فكانت ردة فعلها أن تركت العمل وهي لم تكمل شهرها الأول بعد، دون حتى ان تقبض راتبها المستحق.

أما الحادثة الثانية، فكانت في معمل لصناعة المناديل الورقية، حيث تعرضت سعاد لمضايقات وتحرش لفظي وصل لحد اللمسات غير المريحة من قبل أحد المشرفين على العمال، وماكان منها الا أن تترك العمل ايضا بعد أقل من شهرين من مزاولته.

واقع ظاهرة التحرش ضد اللاجئات في لبنان

على الرغم من عدم وجود احصائيات دقيقة لعدد اللاجئات السوريات اللواتي يتعرضن للتحرش الجنسي وغيره من أنواع العنف والاستغلال في لبنان، الا أن العديد من الناشطات في مجال حقوق المرأة ومنظمات المجتمع المدني يتحدثون عن معاناة عدد كبير من اللاجئات من هذه الظاهرة.  وبحسب تقرير نشرته منظمة العفو الدولية بعنوان “أريد مكانا آمنا”، كثير من السوريات أصبحن عرضة لخطر الاستغلال والتحرش الجنسي على نحو متزايد في لبنان. و ذكرت بعضهن أن رجالاً قاموا بمعاكستهن، أو التصرف بطريقة غير لائقة معهن، أو عرض توفير المساعدة المالية والعمل وغير ذلك من أشكال المساعدة لهن مقابل الجنس.  وأفادت لاجئة فلسطينية قادمة من سوريا اسمها أسماء، وفق تقرير المنظمة، أنها لا تسمح لبناتها بالخروج للعمل خوفاً من تعرضهن للتحرش، “عملت ابنتي في أحد المحال التجارية فقام مدير المحل بالتحرش بها ولمس جسمها، ولهذا السبب أنا لا أدع بناتي يعملن الآن”.

كما آثرت  نساء أخريات ترك العمل نظراً لما تبعثه سلوكيات أرباب العمل على الريبة في نفوسهن. وفي هذا السياق، أكدت لنا الباحثة  في قضايا المرأة صباح حلاق، أن كثير من اللاجئات السوريات يتعرضن لتحرش ومحاولة استغلال من مقدمي الخدمات وأصحاب الأعمال وغيرهم، وأن أكثر مظاهر التحرش تتم أثناء عملهن في الأعمال الزراعية الموسمية.

وتضيف حلاق، أن نوع العنف الجنسي الأكثر ممارسة ضد اللاجئات يتم عن طريق التحرش اللفظي والايحاءات، وان الفئة الأكثر تعرضا لتحرش الجنسي هن الأرامل، فكثير من سائقي سيارات الأجرة و مقدمي الخدمات وأصحاب العمل وغيرهم يسئلون اللاجئات عند مقابلتهن بشكل مباشر (أين هو زوجك)؟

لماذا تواجه اللاجئات السوريات في لبنان تحرشاً جنسياً واستغلالاً باستمرار؟

تعزو منظمة العفو الدولية ظاهرة التحرش الجنسي ضد اللاجئات في لبنان الى ثلاثة أسباب، وذلك بحسب تقرير نشرته على موقعها الالكتروني:

أولا: لأنهن لاجئات وبسبب جنسهن، “معظم النساء اللاتي تحدثنا إليهن قلن إنهن يتعرضن للتحرش الجنسي باستمرار في الأماكن العامة، سواء من قبل الجيران، أو من قبل سائقي الحافلات والتاكسي، أو من قبل غرباء في الشارع، بل أحياناً من قبل أفراد الشرطة والموظفين الحكوميين”.

ثانيا: ان الكثير منهن يعلن أسرهن بمفردهن، “واحدة من خمس أسر لاجئة تعولها امرأة: بعضهن أرامل، وأخريات مطلقات، أو لهن أزواج اختاروا البقاء في سوريا او مفقودين، وهو ما يجعلهن عرضة للاستغلال مقابل الحصول على المساعدة”.

ثالثا: الكثير منهن بلا اقامات سارية المفعول، وبالتالي يصبحن أهدافا سهلة للاستغلال، ” قالت لنا العديد من اللاجئات إن عدم حصولهن على إقامات سارية يشكل سبب رئيسي لامتناعهن عن التبليغ أمام السلطات اللبنانية عن تعرضهن للتحرش الجنسي خوفا من القاء القبض عليهن واحتجازهن أو ترحيلهن الى سوريا”.

رابعا: بدون مساعدات انسانية كافية يستفجل الفقر، ” تقول السوريات إنه ليس من المرجح أن يُبلِّغ أرباب العمل الذين يعرفون بأنهن لا يملكن إقامات سارية السلطات اللبنانية بشأن أوضاعهن، لكن يتعمدون دفع مرتبات منخفضة جدا لهن أو أحيانا لا يدفعون لهن أي شيء. ويعشن أيضا في خوف من رفع أرباب المساكن قيمة الإيجار أو طرد عائلات بأكملها إلى الشارع بدون إخطارهن من قبل”.

لماذا لا تبلغ اللاجئات السلطات ضد المتحرشين؟

حول امتناع كثير من اللاجئات عن تقديم شكوى ضد المتحرشين، تقول الباحثة في شؤون النوع الاجتماعي كاثرين رمزي ، “ان القيود الصارمة التي تفرضها السلطات اللبنانية على اللاجئين، وخاصة بما يخص تجديد تصاريح الإقامة، يشكل مناخا يجعل اللاجئات عرضة للتحرش الجنسي والاستغلال، مع عدم قدرتهن على طلب الحماية في الوقت نفسه. فهن يفضلن عدم إبلاغ الشرطة عما يتعرضن له من انتهاكات خشية توقيفهن”.
يتخذ البعد الاجتماعي عاملا مهما بحسب حلاق” مجتمعاتنا تحمل الناجية من العنف جزء من المسؤولية، بسبب لباسها او تصرفاتها او طريقة كلامها، وعليه تفضل عدم اثارة الموضوع بعد تعرضها لأحد اشكال العنف الجنس”.
وتشير منظمة العفو الدولية الى أن أحد الأسباب الأخرى لصمت الناجيات عن حالات العنف التي يتعرضن لها، هو عدم الثقة بموظفي مراكز الأمن، حيث قالت لاجثة سورية للمنظمة أنها أصبحت هدفاً للتحرش بعد توجهها للشرطة،” بدأ رجال الشرطة بعد فترة يمرون على منزلنا أو يتصلون هاتفياً بنا ليطلبوا منا أن نخرج برفقتهم، كانوا أولئك هم نفس رجال الشرطة الثلاثة الذين دونوا معلوماتنا عندما قدمنا البلاغ، ونظراً لأننا لا نحمل تصاريح إقامة قانونية، قام رجال الشرطة بتهديدنا، وقالوا إنهم سوف يزجون بنا في السجن، إذا لم نوافق على الخروج برفقتهم”.

تعرضت لأحد أنواع العنف والاستغلال .. ماذا أفعل؟

تعمل منظمات دولية ومحلية عدة على الحد من العنف الجنسي القائم على أساس النوع الاجتماعي الواقع على اللاجئات السوريات في لبنان، من خلال تقديم برامج وقاية وحماية وخدمات أخرى قانونية وتوعوية وصحية ونفسية وغيرها. وتشير الباحثة صباح حلاق الى أهمية تواصل الناجيات من العنف الجنسي مع أحد المراكز التي تقدم خدمات هامة في هذا الاطار كمركز (كفى) الذي يمتلك خط هاتف ساخن للابلاغ عن حالات العنف ومراكز استماع، كما يوفر مأوى للناجيات ويقف الى جانبهن ويقدم لهن نفس الخدمات التي تُقدم للنساء اللبنانيات. ويقدم مركز (أبعاد) ايضا خدمات هامة ودعم للنساء الناجيات من العنف الجنسي.

تقول السيدة غيدا عناني مديرة ومؤسسة جمعية أبعاد، “نستقبل عبر مراكزنا المفتوحة أو برنامج الايواء الآمن المؤقت نسبة كبيرة لحالات مثل المكرهات على الزواج او حالات الزواج المبكر او الناجيات من العنف الجنسي”. ويهتم مركز أبعاد بتثقيف النساء بأهمية طلب الدعم الطبي والنفسي لحماية الصحة الجسدية والنفسية ويوفر خدمة الايواء الآمن المؤقت في حال التعرض لتهديد خاصة في حالات الاغتصاب وخطر وقوع مايسمى “جرائم الشرف”، كما يقدم المشورات القانونية وتوفير توكيل محامي في حال الرغبة بتقديم شكوى ضد المعتدي. وتستطيع اي ناجية او معرضة لتهديد بالعنف ان تتواصل مع المركز على خط الهاتف الآمن الذي يعمل 24 ساعة في اليوم.

تمضي سعاد إلى عملها كالمعتاد وتبدأ بحزم أكياس الخبز، وفي قلبها كثير من المعاناة، وبعض من الأمل بما سيحمله لها قادم الأيام.


تم إنتاج هذا المحتوى الإعلامي في سياق ورشة عمل تدريبية حول تغطية قضايا العنف الجنسي وبالتعاون بين BBC Media Action  وشبكة الصحفيات السوريات.