البسكليت العنيدة


دمشق- سارة أحمر
ياريتني  البسكليت إحدى أبسط العبارات التي سمعتها أثناء قيادتي لدراجتي على الطريق المؤدي إلى الجامعة”، هكذا تعبّر ماري نور قسطون (25 عاماً) في معرض حديثها حول الإساءات التي تتعرض لها الشابات اللواتي يستخدمن الدراجة كوسيلة للتنقل في مشهدٍ خجولٍ تحياه الشوارع الدمشقية.

عندما بدأت الشابات بقيادة دراجاتهن جنباً إلى جنب مع الرجال في وسائل النقل الأخرى على الطرقات العامة، كنّ على موعد مع شتى أنواع التحرش الذي لم يقتصر على التحرش اللفظي بل تعدّاه إلى التحرش الجسدي أيضاً.
تقول رزان ( 26 عاماً): ” حين كنت أقود دراجتي على الطريق السريع بدأ سائق باص يمر بجانبي يضحك وهو يصورني بهاتفه المحمول، كانت نظراته مليئة بالاشمئزاز والاحتقار، وبعد أن انتهى من تصويري اعترض طريقي وتسبب بوقوعي وإصابتي، فامتنعت نتيجة  ذلك عن قيادة الدراجة”. وهو ما تؤكده قول ماري نور: “يقترب مني بعض الشباب على الدراجة ويحاولون إيذائي وفي أحسن الأحوال يقولون لي كلمات جارحة وبذيئة كأن يقولوا لم يبق حياء للتشكيك في أخلاقي”.
ويعتبر التحرش والانصياع للعادات والتقاليد، عائقاً في وجه قيادة بعض الشابات للدراجات لا سيما في المجتمعات المحافظة، ويحق لهن اختيار وسيلة النقل المناسبة طالما أنها لا تتعارض مع المبادئ الدينية ولا تخل بالآداب العامة. وهو ما أكده دكتور علم النفس وتعديل السلوك الإنساني  فادي جريج  ” إذا تحدثنا عن ركوب الدراجة الهوائية حصرا للشباب دون الإناث من وجهة نظر العنف فهو عنف مبني على النوع الاجتماعي أي يحرم على نوع ما هو مسموح لنوع آخر، فيشرع للذكر ركوب الدراجة ويحرّمها على الأنثى بحكم العادات والتقاليد فقط”.  

الحاجة أم الاختراع

مع ازدياد الازدحام المروري الناتج عن انتشار الحواجز الأمنية في دمشق وغلاء أسعار المواصلات لجأ العديد من السكان بشكل عام والنساء والشابات بشكل خاص إلى اتخاذ الدراجات الهوائية كوسيلة بديلة للتنقل في حياتهن اليومية.

تعبّر نانيت خوري (24 عاماً) عن الحاجة الملحة التي دفعتها وصديقاتها إلى التنقل بالدراجة على الرغم من عدم تقبّل المجتمع لهن، فتقول: “بالنسبة لي أصبح من غير المقبول أن أدفع مبلغاً يتجاوز 250 ليرة بشكل يومي للتنقل من وإلى العمل فقط، لذلك أردت وبشدة أن أعاود ركوب الدراجة مجدداً التي تقلني بالمجان وتساعدني على التحمية قبل الذهاب إلى النادي الرياضي بالوقت نفسه”.

مبادرات تشجيعية وتناقض بالآراء

أطلقت العديد من المبادرات عدة فعاليات جماعية عامة أكدت حق الفتيات بركوب اللدراجات منها “صار بدا بسكليت” و “بنات الشام على البسكليت“، ومبادرة “يلا عالبسكليت” المنظمة لمسيري “يلا صبايا عالبسكليت” و”متلي متلك”، إلا أن آراء المشاركين في هذه المبادرات تباينت حول فعالية دورها في تعزيز القبول الاجتماعي لوجود النساء والشابات على الدراجات.

في حديث ماري نور حول مشاركتها في مبادرة يلا عالبسكليت: ” بدأت التطوع مع المبادرة منذ عام تقريباً وشاركت في تنظيم عدة فعاليات إلى أن تطوعت ضمن الفريق الإعلامي، وبحسب رؤيتي أن هذه المبادرات لها دور في خلق حالة جماعية وشحذ همم الفتيات للمشاركة أما الاستمرارية فهي ملقاة على عاتقهن”.

على النقيض ترى رزان أن فعالية هذه المبادرات محدودة فتقول:”ساعدت المبادرات في كسر المفاهيم السائدة اجتماعياً لكنها لا تتابع  تجدد التحديات التي تواجه الشابات، كما أنها تثير غضب المجتمعات المحافظة، عندما يتم طرحها كمشروع بهدف كسر العادات والتقاليد وليس كحاجة أساسية”.

غياب المسارب الخاصة رفع نسبة التحرش

في أيار 2014 أصدرت المحافظة العديد من القوانين التي تنظم ترخيص الدراجات الهوائية في حين  أشارت بشكل خجول إلى العمل على تنظيم مواقف ومسارب خاصة بها، الأمر الذي صعّب المهمة بالنسبة للنساء في قيادة دراجاتهن على المسارب المشتركة مع وسائل النقل الأخرى.

حول ذلك تقول رزان: “إن تحسين البنية التحتية وتخصيص مسارب خاصة بالدراجات قد يسهم في تخفيف نسبة التحرش التي نتعرض لهاً، بدلاً من تواجدنا على الطريق ذاته مع الحافلات والسيارات العامة والخاصة”.

في لقاء مع لؤي أحمد المهندس  في مديرية التخطيط والإسكان العمراني قال: “من المهام الأساسية للتخطيط  تنظيم حملات اجتماعية تنشر الوعي حول أهمية قيادة الدراجة كوسيلة نقل،لكلا الجنسين، إلى جانب إعداد المجتمع لقبول استخدام النساء للدراجات، إلا أن هذا النوع من التخطيط لم يتم اعتماده في سوريا بعد على الرغم من المحاولات المبدئية التي ظهرت لتطوير المنهج التخطيطي المتبع”.

الاستمرارية تحول المستهجن إلى مألوف

إن حالة الاستهجان الاجتماعي التي ولدتها ظاهرة قيادة النساء للدراجات رهينة الوقت والاستمرارية، الكفيلين بتحويل هذه الظاهرة الغريبة اجتماعياً إلى أمر طبيعي، بالاعتماد على نسج من إصرار وصبر كما هو حال ماري نور التي تؤكد  رغبتها بمتابعة قيادة دراجتها: “لن أتوقف عن قيادة الدراجة حتى وإن استمروا بمضايقتي، لأني أؤمن أن المسألة بحاجة إلى بعض الوقت كي يعتاد المجتمع على هذه الظاهرة، ويقبل بسائقات الدراجات كما هو الحال مع سائقات السيارات”.

ويتفق الدكتور جريج مع ماري نور بالقول: الكثير من السلوكيات تغيرت نتيجة الأحداث التي ولدت ظروف معيشية واجتماعية استثنائية، حيث ظهرت سلوكيات تكيفية جديدة منها ركوب الدراجة لمواجهة ضغوط المواصلات والنفقات المالية”. ماري نور، رزان، نانيت، وغيرهن فتيات عشن في زمن تحمّلن فيه الكثير، من أجل قيادة دراجة لا لون لها إلا لون الحلم الذي يسكن مستقبلهن.


تم إنتاج هذا المحتوى الإعلامي في سياق ورشة عمل تدريبية حول تغطية قضايا العنف الجنسي وبالتعاون بين BBC Media Action  وشبكة الصحفيات السوريات.