ربيع المرأةالسورية: تمرد على كل الجبهات

دمشق: هيا خالد ورند عدنان

استطاعت المرأة السورية عبر تاريخها الطويل أن تثبت مدى جرأتها وقدرتها على التواجد في الشارع السوري والعصيان على الظلم، فقد شاركت في الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي بشقيها السلمي والعسكري، ففي أيار/مايو لعام 1945 تظاهرت السوريات ورفعنّ لافتات حماسية وألقت بعضهن بيانات أمام السرايا الحكومي في دمشق لرفع المظالم عن الشعب السوري. 

women demonstration-archiveيومها خرجت المرأة السورية عن الطاعة في مجتمع لطالما قيّد حياتها وحتى في أبسط التفاصيل لمجرد كونها  ” أنثى”.

يعيد التاريخ نفسه اليوم ولكن بصيغة مختلفة وأكثر عصرية،فبعد مرور عامين على انطلاق شرارة الثورة، أثبتت المرأة السورية إصرارها وكفاحها لنيل حريتها وتحقيق حقوقها و”تمردها” إن صحّ التعبير .

فالتمرّد لفظاً يشير إلى مجموعة سلوكيات تهدف إلى تدمير سلطة وإحلال أخرى مكانها.
فإن كان الحراك النسائي الآن تمرداً، فعلى أي سلطة هو؟وما السلطة التي ستحل محلها؟

كخطوة أولى قامت النساء بحجز مكان لهن في الثورة من خلال المشاركة بالمظاهرات والتنظيم لها رغم رفض ومعارضة الأهل والأزواج لذلك،خوفاً من النظام أولاً وخوفاً من العادات والتقاليد وما يتبعها من انتقادات تطال النساء الخارجات عن التقاليد ثانياً، لذا كان الأهل هم السلطة الأولى المقصودة في التمرد عليها.

خطوة إلى الأمام
حسب العديد من شهادات الناشطات والثائرات أو ” الحرائر ” اللفظ الذي اعتمد للدلالة على طالبات الحرية والذي لاقى جدلاً كبيراً، فقد أكدنً وقوف الأهل ضد خروج بناتهن في المظاهرات أو القيام بأي نوع من أنواع الحراك.
نهى 18 سنة تتحدث طويلاً عن تجربتها المتعبة مع أهلها حسب تعبيرها،
وتضيف: ” لطالما اضطررت للكذب على أهلي لكي أستطيع المشاركة في واحدة من المظاهرات التي نكون أنا ورفاقي قد أرهقنا مسبقاً في التخطيط والتنظيم لها، كنت أقدم لهم حججاً كخروجي لزيارة إحدى صديقاتي أو حاجتي لشراء شئ ما، إلا أن هذا لم يدم طويلاً، وانكشف أمري وسجنت في المنزل لفترة ليست بقصيرة”.

للأهل أسبابهم ومخاوفهم التي تدور حول كلمة “أنتي بنت”، فهم يخافون من تدنيس سمعة الفتاة في حالات الاعتقال، ومن اللغط والكلام الـ” زايد”  الذي لن تستطع الفتاة النجاة منه بأي حال من الأحوال تضيف نهى.

وعلى الرغم من توتر العلاقة بين نهى وأهلها إلا أنها لم تضطر لترك المنزل كما حدث في حالات أخرى، حيث انتشرت في الآونة الأخيرة الكثير من القصص التي تتحدث عن فتيات بأعمار مختلفة هربن من بيوتهن بسبب مواقف أهلهن المؤيدة للنظام، والكبت الذي عانين منه جراء تلك المواقف،خاصة في أوساط الأقليات في سوريا.
كقصة لبنى مرعي الفتاة التي تنتمي للطائفة العلوية، اضطرت لترك البلاد بعد أن تمردت على أبيها الذي لطالما هددها بالاعتقال بسبب تأييدها للثورة، وفي وقت لاحق اختفت والدتها وقتلت لاتخاذها موقف ابنتها من الثورة كما أوضحت لبنى.

قصة إمرأة سورية آخرى ترويها هنادي 27 سنة “مطلقة” من ريف دمشق/ جديدة عرطوز، اضطر أهلها للنزوح إلى القنيطرة وعندما رفضت الذهاب معهم نشب عراك بينها وبين إخوتها فما كان منها إلا أن هربت والتجأت إلى إحدى مقرات الجيش الحر لتساعدهم  بنقل السلاح والمال.

تقول هنادي:”فعلت ما أملاه عليّ ضميري إلا أنني وبعد أن عانيت الأمرّين في سجون النظام لفترة تجاوزت الأربعة أشهر، قدّرت خلالها خوف والدي في منعي من الخروج للمظاهرات”.women demonstration

لم تفوّت المرأة السورية الفرصة باستغلال التغيرات التي تطرأ على البلد لتثر ليس على النظام فقط بل وعلى كل ما يمكن أن يسيء لها أو لفكرها المستقل،فحتى الزوج المتسلّط قد انفصلت عنه دون خوف، هذا ماعبرت عنه ربيعة 38 سنة والمتطوعة في إحدى المشافي الميدانية في الريف الدمشقي، وتقول أيضاً: “انفصلت عن زوجي الذي لطالما أهانني متخذة بذلك الخطوة الأكثر جرأة في حياتي،فمن تثور على نظام ديكتاتوري شرس لن تخضع أبداً لزوج يقلل من احترامها”.

ربيعة واحدة من كثيرات وجدن في الثورة ربيعاً لطموحاتهن وخريفاً تسقط به جميع أوراق اليأس والتعدي على حقوقهن .

خطوط حمراء
خطوط كانت تعد ” حمراء ” في المجتمع السوري، باتت بعد الثورة أموراً عادية استطاعت المرأة تجاوزها، وكسرت روتيناً حياتياً كانت تعيشه، وتمردت على أشياء فرضت عليها كنوع من العادات والتقاليد،فكان بذلك المجتمع هو السلطة الثانية التي استهدفته بتمردها.

ولعل أبرز تلك الخطوط ” الحجاب”  الذي يعتبر رمزاً دينياً مفروضاً على المرأة ارتداؤه،  وكثيرات من ارتدينه بضغط من محيطهن الاجتماعي، أو تم ذلك في عمر صغير دون قناعة تامة، كما هو حال الطالبة الجامعية ختام التي قررت خلع حجابها أثناء الثورة، رغم أنها كانت تعلم ما يمكن أن تواجهه جراء قرارها، تضيف ختام: “فرض عليّ الحجاب بعمر صغير، لم أعر حينها الموضوع الاهتمام والتفكير الكافي، وإنما فقط أردت أن أكون كصديقاتي، وعندما كبرت وتعمقت في دراسة الأديان والحضارات، تشكلت لدي قناعة بأن الحجاب هو مجرد رمز عنصري، إلا أنني لم أتجرأ على خلعه إلا بعد بداية الثورة، لأني أردت لثورتي أن تكون متكاملة كي أرضي نفسي وأتصالح معها .”

بعيداً عن تقييم ما قامت به ختام ، إلا أن الشجاعة التي تمتعت بها لتفعل ما تمليه عليها قناعتها تحتسب جرأة وتمرد على العادات والتقاليد.
ويبقى السؤال: هل سيصبح تمرد الأنثى السورية إدماناً بعد الثورة أم أنها حالة ستنتهي بانتهاء مسبباتها؟